العلاقة بين الفلسفة والدين

العلاقة بين الفلسفة والدين

- ما هي العلاقة بين الفلسفة والدين؟
سؤال يجيب عنه كبار الفلاسفة المسلمين.
فيذهب الكندي (ت نحو 260هـ، 873م) إلى أن الفلسفة هي علم الحق الأول الذي هو علة كل حق، ولذلك يجب أن يكون الفيلسوف التام الأشرف هو المرء المحيط بهذا العلم الأشرف لأن علم العلة في نظره أشرف من علم المعلول، والعلم التام هو علم العلة. والفلسفة عنده من أشرف العلوم لأنها علم الحق. إضافة لذلك يقرر الكندي أن الحقيقية الدينية والحقيقة الفلسفية واحدة فلا تناقض بينهما، غير أن ظاهر النص قد يوحي ببعض الاختلاف إذا لم يعمل العقل في مجال تأويل معقول.
ويرى الفارابي (ت 339هـ، 950م) أن الفلسفة هي العلم بالموجودات بما هي موجودة ويقسمها إلى حكمة إلهية وطبيعية ورياضية ومنطقية. وكان هم (أبي نصر الفارابي) هو محاولة التوفيق بين إله الفلسفة اليونانية والإله كما جاءت به العقيدة.
بينما اطلع الغزالي على الفلسفة اليونانية وعلى مؤلفات الفارابي وغيره فالف كتاب مقاصد الفلاسفة الذي يبين فيه مذاهب الفلاسفة قبل الاقدام على نقدها وابطالها.
بعد هذا الكتاب ألف الغزالي كتابه المشهور تهافت الفلاسفة للرد على الفلاسفة القدماء أفلاطون وأرسطو وعلى الفلاسفة المسلمين الفارابي واشياعه الذين تركوا الدين اغترارا بعقولهم وتقليدا للفلاسفة القدماء كما يقول مبينا تهافت مذاهبهم وتناقضها فيما يتعلق بالإلهيات هادفا إلى نزع الثقة في الفلاسفة الغزالي يعلن عجز العقل عن البحث في الأمور الإلهية التي فيها أكثر أغاليط الفلاسفة وتهافتهم وفساد مذاهبهم وقصور أدلتهم مما أدى إلى تكفيرهم وحرم الفلسفة ذلك أنه إذا ثبت عقليا فساد البراهين الفلسفية وثبت شرعا مخالفة النتائج التي انتهت إليها الفلسفة لنصوص العقيدة فإنه من الطبيعي الحكم بفساد الفلسفة ومخالفتها للدين وبتهافت أصحابها.
ويرى ابن رشد (ت 595هـ، 1198م) في فصل المقال ، أن النظر في كتب القدماء - يقصد بالقدماء هنا فلاسفة اليونان مثل أفلاطون وأرسطو- واجب بالشرع، إن كان مغزاهم في كتبهم ومقصدهم هو المقصد الذي حثنا الشرع عليه. فالفلسفة عند ابن رشد تفتح باب العلم بالله ومعرفته حق المعرفة.
فالعلاقة بين الفلسفة والدين علاقة توافق وانسجام وليست علاقة صراع وتضاد. لأن هدف فعل التفلسف هو: النظر في الموجودات للوصول إلى وجود الصانع. وبما أن الشرع يدعوا إلى النظر والتدبر والتأمل في الموجودات لأنها تدل على وجود الصانع. فإذن الشرع يدعو إلى الفلسفة.

أدلة إثبات وجود الله عند الفلاسفة المسلمين

إثبات وجود الله
قال تعالىومن الناس من يعبد الله على حرف فإن أصابه خير اطمأن به وإن أصابته فتنة انقلب على وجهه خسر الدنيا والآخرة ذلك هو الخسران المبين(الحج-11).
فللأسف البعض من الناس يدعو الله فإن لم يستجب له في حينه يقول دعوة ودعوة الله فلم يستجب إذن الله غير موجود.
فما هي أدلة وجود الله الموضوعية؟
هذا سؤال حاول الفلاسفة المسلمون أن يجيبوا عنه. وسنعرض فيما يأتي أقوال أربعة منهم وهم الكندي فيلسوف العرب والفارابي المعلم الثاني والغزالي حجة الإسلام وابن رشد الحفيد أكبر شارح لفلسفة أرسطو.

إشكالية وجود الله
إنَّ مسألة التدليل على وجود الله ومحاولة البرهنة على وحدانيته، من المسائل الفلسفية التي خاض فيها أكثر فلاسفة الإسلام، سواءً في المشرق العربي كالكندي والفارابي والغزالي، أو في المغرب الإسلامي كابن رشد الفيلسوف الأندلسي. ولقد اجتهد الفلاسفة الأربعة في الاستدلال على وجود الله بالنظر العقلي لأنه لا يتعارض مع تعاليم العقيدة الإسلامية فاستدلوا بالموجودات على وجود الله لكن اختلفوا في التقسيم. فالفلاسفة الإلهيون لم يسلكوا في الاستدلال على وجود الله تعالى مسلك المتكلمين، وهو الاستدلال بالحادث على المحدث، أو بالنظام على المنظم، أو بالصنعة على الصانع، الذي ينطلق من العالم لإثبات وجود الله. بل قسم الفلاسفة الموجودات إلى قسمين واجب الوجود وممكن الوجود، بدلا من التقسيم المعروف القديم والحادث. أما الاستدلال بواجب الوجود وممكن الوجود فيحاول أن يثبت وجود الله انطلاقا من فكرة الله ذاتها باعتباره واجب الوجود بذاته. فاجتهدوا في أن يثبتوا وجوده بأدلة عقلية متماسكة. إذ أن الكندي استدل بحدوث العالم أي بما أن الموجودات حادثة فلابد لها من موجد قديم وهو الله، وتابعه الغزالي قال والعالم حادث فيلزم منه إن له سبباً، ونعني بالعالم كل موجود سوى الله تعالى. ونعني بكل موجود سوى الله تعالى الأجسام كلها وأعراضها. وأما دليل الفارابي القائم على فكرة واجب الوجود فلا يخلو من أصالة، إذ قسم الموجودات إلى قسمين واجب الوجود وهو الله وممكن الوجود وهي الموجودات. وأما ابن رشد الحفيد فاستدل بحسن نظام العالم وتدبيره وسماه دليل العناية، واستدل بالاختراع على الصانع، فالموجودات المصنوعة تدل على الصانع، وهو دليل الشرع أيضا.

أدلة وجود الله
برهان (حدوث العالم[1]) الاستدلال بالحادث على المحدث
إن الحادث لا يوجد بنفسه فافتقر إلى صانع لأنه من المحال أن تتسلسل العلل إلى غير نهاية. فالعالم محدث وجد بعد أن لم يكن فيلزم منه إن له سبباًموجد قديم وإنه محدث بإرادته، والمقصود به أنه العالم له بداية ونهاية فانتقل من العدم إلى الوجود، وسينتقل من الوجود إلى العدم بفعل الإرادة الإلهية. خلاف القول بقدم العالم أي أنه ليس للعالم بداية أو نهاية فهو أزلي[2] أبدي كما يرى بعض الفلاسفة اليونانيين. وإذا كانت إرادة قديمة لا تتغير؛ فوجود العالم ينبغي أن يكون قديما كإرادة الله؛ لأن إرادة الله هي علة وجود العالم. فإحداث العالم يستلزم تغييرا في إرادة الله والله منزه عن التغير.

تناهي الجسم دليل على حدوث العالم
بالنظر إلى كتلة العالم نرى أنها إما أن تكون متناهية أو غير متناهية وبمعرفة أنها متناهية ومتميزة، عرف أن الوجود المتناهي لابد أن تكون له بداية في الزمن. وبما أن جرم العالم متناه له بداية في الزمن، وما دام متناهيًا فهو موجود من العدم، فهو حادث وليس علة ذاته واذن لبد له من محدث قديم هو علته الأولى وهو الحق الأول.
إن القول بحدوث العالم يرتبط تماماً بالتدليل على وجود الخالق. أي أنّ العالم إذا كان حادثاً، فإنّ هذا الحادث لا بد له من علة أحدثته وأظهرته إلى الوجود. وهذه العلة هي الله.
والاستدلال على وجود الله تعالى استنادا على دليل الحدوث يعتمد على قضيتين، القضية الأولى إثبات حدوث العالم، والثانية إثبات أن كل حادث لابد له من محدث. وبطلان التسلسل والدور[3]
الشرع يحث على النظر في المخلوقات لأنها تدل على خالقها وهو الله فدليل الخلق والإيجاد من العدم دليل شرعي معتمد عند فلاسفة الإسلام وإن اختلفوا في صياغته فعبر عنه الكندي بدليل الحدوث وصياغته المحدث لابد له من محدث هو العلة الأولى. وعبر عنه الغزالي بدليل الصانع وصياغته العالم مصنوع ولابد له من صانع هو المبدأ الأول وعبر عنه ابن رشد بدليل الاختراع وصياغته المخلوقات لابد لها من خالق هو الله.

برهان ( الفاعلية ) دليل العلة الأولى
ليس ممكنا أن يكون الشيء علة كون ذاته، أي لا يمكن أن يكون موجودًا لذاته، فالمحدث به حاجة إلى محدث، ولا يمكن التسلسل[4] في العلل إلى ما لا نهاية، فمن الضروري وجود محدث قديم، كعلة[5] فاعلة أولى لوجود الأشياء، لا يمكن أن يكون مع وجوده وجود[6]، ووجوب كونه خارج ذات الأشياء، وهو الله العلة الأولى التي لا علة لها الفاعل الأول الذي لا فاعل له وهو علة لوجود غيره. فهو مؤيس الأيسات عن ليس موجد الكل من العدم،وفكرة الأيْس عن ليْس فكرة أصيلة عند الكندي، وهي فكرة إسلامية تعني خلق العالم من عدم، والكندي في هذه المسألة يخالف رأي أرسطو الذي يقول بقدم العالم.

برهان (الغائية في الوجود المحسوس )
الغائية تقوم على أن الكون على درجة عالية من التنظيم وروعة البناء لدرجة يستحيل فيها أن يكون وليد الصدفة أو أن يكون وجوده عبثياً. وأن لم تكن هذه الدقة العالية والروعة الكونية قادمة من صدفة أذن لابد ان يكون هناك مُصمِم، والمُصمِم هو طبعاُ الخالق. وهذا يعني أن الله موجود.

دليل النظام والتدبير
القائم على الاستدلال بالنظام الموجود في العالم على وجود منظم له.ففي العالم نظام وتدبير محكمان وهذا دليل على وجود حكيم دبر ونظم هو الله. ودليل الغائية وجذورها واضحة في القرآن إن الله تعالى هو علة فاعلية، وعلة غائية، لهذا الوجود، وإن هذه العلة كانت ولا تزال مدبرة لهذا العالم بدليل تلك الغائية والعناية الإلهية المشاهدة في الكون الذي نعيش فيه. إذ فيه دلالة على أتقن تدبير ومع كل تدبير مدبر.فالعالم المحسوس لم يوجد عبثًا بل لابد له من مدبّر، ولا يمكن معرفة المدبّر إلا بمعرفة تدبيره، وهو الكون المحسوس المنتظم.

دليل العناية في الكون
يقوم دليل العناية على أن يفكر الإنسان جيداً وينظر فيما يحيط به من حماية وعناية ربانية ونعم لا تعد ولا تحصى، وقد خلق الله من أجله أكثر الموجودات، بل جميع ما في السماوات وما في الأرض، وذلك في قوله تعالى: وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً مِنْهُ(الجاثية:13).
الفلاسفة المسلمون ربطوا ربطاً وثيقاً بين فكرة الغائية وفكرة العناية الإلهية. ولعلهم أرادوا من ذلك تفادي ما في مذهب أرسطو من نقص. ذلك النقص الذي يتمثل في تلك الفجوة بين الله والعالم. أي أنهم أرادوا أن يؤكدوا وجود علاقة بين الله والعالم.

برهان الوحدة والكثرة، دليل الانسجام والوحدة
وينفرد به الكندي عن غيره من الفلاسفة الإسلاميين وهو دليل مبتكر. فهو قد لاحظ بأن أن الأشياء المحسوسة متكثرة بالأنواع ومتحدة بالأجناس، فالحيوان واحد بالجنس كثير بالأنواع، حيث يضم الإنسان والحمار والحصان... إلخ، فالاشتراك في الوحدة يرجع إلى علة أولى ما بعدها علة، هي علة اشتراكها في الوحدة. وهذه العلة الأولى هي الله.

الاستدلال بالإمكان والوجوب دليل واجب الوجود وممكن الوجود
وواجب الوجود بذاته هو الموجود الذي وجوده من ذاته، لا يحتاج إلى أية قوة خارجية أو علة لأن يوجد فوجوده عين ذاته بمعنى إنه المطلق الذي ماهيته ووجوده شيء واحد ولا يمكن إلا أن يكون موجودا لأن عدم وجوده محال.
أما ممكن الوجود فهو لم يوجد بعد ولكن فيه قابلية لان يوجد وبعبارة أخرى أنه موجود بالقوة يحتاج إلى قوة مسببة لتخرجه من حال القوة (إمكانية الوجود) إلى حال الفعل (تحقق الوجود) من الإمكان إلى الوجود وممكن الوجود إذا وجد أصبح واجب الوجود بغيره. لأن استمد وجوده من غيره، فإذا فُرض عدم وجوده لما كان ذلك محالاً.
إن الحرارة مثلا ممكنة الوجود ولكنها واجبة الوجود بغيرها النار والدفء ممكن الوجود ولكنه واجب الوجود بغيره الحرارة وهكذا ولكن هذه الممكنات لا يمكن أن تستمر إلى مالا نهاية له التسلسل كما لا يمكن أن يكون أخرها سببا في أولها.
الدور لذلك وجب أن تنتهي إلى موجود أول واجب الوجود بذاته ولا يمكن أن تمضي سلسلة المرجحات الممكنة الوجود إلى ما لا نهاية لأن هذا محال، فلابد إذن أن نصل إلى مبدأ أول أو سبب أول هو علة وجود كل الممكنات في العالم وهو الذي رجح وجود هذا العالم على عدمه وهو الله.
إله الفلاسفة واجب الوجود بذاته وهو الحق الأول الصانع والمبدأ الأول القديم والعلة الأولى التي لا علة لها والفاعل الأول الذي لا فاعل له والمحرك الأول الذي لا يتحرك يعلم الكليات والجزئيات.
________________________
[1] ونعني بالعالم كل موجود سوى الله تعالى. ونعني بكل موجود سوى الله تعالى الأجسام كلها وأعراضها.
[2] الأزلي: الذي لم يكن ليس، وليس محتاج في قوامه إلى غيره. والذي لا يحتاج في قوامه إلى غيره فلا علة له، وما لا علة له فدائم أبدا.
[3] الدور هو: توقف الشيء على نفسه، بأن يكون هو نفسه علة لنفسه بواسطة أو بدون واسطة.
[4] تسلسل الحوادث هو: استناد وجود الممكن إلى علة مؤثرة فيه، وتستند هذه العلة إلى علة مؤثرة فيها، وهي إلى علة ثالثة مؤثرة فيها، وهكذا تسلسلاً مع العلل دون نهاية.
[5] العلة الأولى: مبدعة، فاعلة، متممة الكل، غير متحركة.
[6]أي إنه قديم وما كان مع وجوده وجود قبل أن يخلق العالم من عدم.

تفكروا في خلق الله ولا تفكروا في ذاته

إن القرآن الكريم يدعونا للنظر، ويرشدنا أين ننظر. قال : أو لم ينظروا في ملكوت السموات والأرض وما خلق الله من شيء [الأعراف - 158[. وقال : قل سيروا في الأرض فانظر كيف بدأ الخلق [العنكبوت - 20]. وقال : أولم يتفكروا في أنفسهم [الروم - 8]. وقال: فلينظر الإنسان مما خلق [الطارق - 5]. وقال : وآنظر إلى العظام كيف ننشزها ثم نكسوها لحما [البقرة - 259].

والمراد بالنظر التفكر، والتفكر في القرآن نوعان:
النوع الأول: تفكر فيه ليقع على مراد الرب تعالى منه.
والنوع الثاني: تفكر في معاني ما دعا عباده إلى التفكر فيه.
فالأول تفكر في الدليل القرآني وفي آياته المسموعة. والثاني تفكير في الدليل العياني وفي آياته المشهودة.
فالفكر هو احضار معرفتين في القلب ليستثمر منها معرفة ثالثة. والتفكر يفيد تكثير العلم واستجلاب ما ليس حاصلا عند القلب.
فالنظر والتفكر في الآيات البينات يرتقي بنا من السماع إلى العيان، ومن المشاهدة إلى الشهود، ومن الإيجاز إلى الإعجاز، ومن العلم إلى العمل.
فالله له الأسماء الحسنى وإن لكل اسم منها أثر من الآثار في الخلق والأمر. فالمخلوقات مرآة لأسماء وصفات الخالق.. وقال الشاعر فيما معناه أن في كل مخلوق دليل على خالقه:
تأمل سطور الكائنات فإنها إلى الملإ الأعلى إليك رسائل
وقد خط فيها لو تأملت خطها ألا كل شيء ما خلا الله باطل

وأنشد آخر وهو ابن المعتز قائلا:
فوا عجبا كيف يعص الإله أم كيف يجحده جاحد
والله في كل تحريكة وتسكينة أبدا شاهد
وفي كل شيء له آية تدل على أنه واحد

وأنشد ابن أبو الدنيا في كتابه التفكر والإعتبار عن شيخه أبي جعفر القرشي قائلا: « وإذا نظرت تريد معتبرا فانظر إليك ففيك معتبر ». وقال أعرابي:« البعرة تدل على البعير، والآثر يدل على المسير. فالسماء ذات أبراج، والأرض ذات فجاج، ألا يدل ذلك على اللطيف الخبير ». وقال قس بن ساعدة ( ت 200 هـ ):« إن في السماء لخبر وإن في الأرض لعبر ».
فمع احتشاد الآيات البينات الشواهد على الخالق، كما تعرضها مجاهيل هذا الكون المشهود، وكما تعرضها مجاهيل ذلك الغيب المكنون، ومع امتلاء صفحات الوجود الحافلة بدلائل وجود الله ; في كتاب الكون المفتوح، في المجال الكوني العريض، وفي كتاب النفس المكنون، في المجال الإنساني العميق. ومع هبة العقل الذي يملك أن يحصي الشواهد ويستنبط النتائج، ومع نور القرآن الذي تتجلى تحت أشعته حقائق الأشياء واضحة، تتجلى وحدانية الخالق، إذ العلم يهدي للإيمان.
فالتفسير العلمي للقرآن الكريم جمع بين قراءتين; قراءة كتاب الوحي المسطور، إذ التفسير يبحث في القرآن كلام الله ، وقراءة كتاب الكون المنظور، إذ العلم يبحث في الكون عمل الله ، ولا تعارض بين الحقيقة القرآنية كلام الله ، والحقيقة الكونية عمل الله .
ولذلك فالإستدلال على الخالق بخلق الإنسان في غاية الحسن والاستقامة وهي طريقة عقلية صحيحة، وهي شرعية دل القرآن عليها وهدى الناس إليها وبينها وأرشد إليها كما قال ابن تيمية في كتابه النبوات.

انقر على الصورة لتكبيرها

الأساطير المفسرة

الأسطورة تعني في الاستعمال الدارج تصورا خياليا وخاطئا. كقصة خيالية تصف أصل الكون وأصل الكائنات، وقد شاع الخلط بين الأسطورة والخرافة[1] فهذه الأخيرة عبارة عن قصة خيالية وصفية، بينما الأسطورة تحكي أشياء مستحيلة أو غير محتملة لأنها تتجاوز حدود المنطق المعروف فيما ألفه الناس وتعني في الفلسفة عرضا سرديا لنظرية ما.

هذا ونجد الكائنات الأسطورية لها وجهان: وجه واقعي، ووجه أسطوري خيالي[2]. والخيال هو ملكة إنشاء الصور الذهنية انطلاقا من مدركات حسية سابقة ( خيال استرجاعي )، فهو وظيفة نفسية ابتكارية يتمثل بواسطتها الفكر علاقات جديدة بين الأشياء والواقع ( خيال خلاق )، والمعلومات هي المادة الأساس المعتمدة في الخيال الرمزي. والرمز يضرب بجذوره في أعماق اللاشعورية ويختزن ذكريات منسية أو مكبوتة، تعود إلى ماضي الفرد أو إلى ماضي البشرية وبدايتها الأولى.

ويمكن القول إن كل أسطورة ولابدا لها من أساس ما، هذا الأساس قد يكون حقيقة مزجت بوهم وبعض من الخيال بغية الإثارة والمتعة والتسلية، أو الرعب، أو لغرض ديني، أو اقتصادي، أو سياسي. وهناك أساطير لا أساس لها من الصحة، وهي تلك الأساطير التي تصطدم بالدين والعلم بشكل لا مفر منه...

فهناك أساطير عالمية خالدة في أذهان الشعوب، أبطالها تألقوا كنجوم ساطعة في عالم التاريخ على الرغم من أن أحدهم لم يحيى في عالمنا قط .

إن الأساطير لم تأت من فراغ، وإنما هي مبنية على أنقاض حقائق. ولكن حين تحيط المعتقدات الخرافية بشيء ما عندئذ يصير البحث عن الحقيقة شبه مستحيل، فعندما تتعدد الآراء في موضوع واحد قد تضيع الحقيقة.

إن الأسطورة الجيدة في نظري هي تلك التي تفسح المجال للخيال المبدع لكنها لا تصطدم بالدين أو العلم. لكن في المجتمعات البشرية القديمة خلقت أساطير يشيب لهولها الولدان كما يقولون. وهي في الحقيقة انعكاس للتجربة البشرية آنذاك. محورها هل الخوف بيننا أم فينا ؟  وبصيغة أخرى هل نخاف ما يخيفنا أم يخيفنا ما نخاف ؟  ولقد عنيت بالخوف بيننا أن الإنسان قد يخاف مما يتعامل معه في المحيط الخارجي وهو مخيف لذلك يخافه; مثل الخوف من الثعبان لديه ما يبرره.

وقصدت بالخوف فينا أن الإنسان قد يخاف مما يتعامل في المحيط الخارجي وهو يخيفه مع أنه غير مخيف حقا; مثل الخوف من الحبل المزركش، وهذا يدل على أن خوفه منه نابع من أعماق أعماقه.. وهنا تختلف مخاوف بعضنا عن البعض الآخر.

فلنترك الخوف جانب ولنعد إلى خرافنا كما يقول الفرنسيون والعود أحمد، ولنتحدث عن الأسطورة في العصر الحديث عصر العلم الذي ينبذ الخرافات ولنتكلم عن أسطورة الأطباق/الصحون الطائرة مجهولة الهوية. وهنا يمكن أن نتساءل كيف لشيء لا وجود له أن يفعل كل هذه الضجة في الجرائد، والكتب، والتلفاز، والمذياع، والسينما ؟!..

فيما مضى كان هناك ظهور لأجسام تعود لكائنات غير بشرية من جن ووحوش ومسوخ يخلقون الاضطراب في القرون الغابرة.

وأما اليوم فالعلم والتكنولوجيا غلفوا كل ذلك، وكان من عين العقل أن تظهر المركبات الفضائية لأنها مقرونة بحقيقة عصرنا، تعطي للناس الذين تعليمهم غير كاف فكرة عن تقدم تكنولوجيا السفر في الفضاء. إن الأطباق الطائرة المجهولة الهوية جاءت كنظرية تفسر التساؤلات حول الحياة في الكون شأنها شأن الأساطير الإغريقية القديمة. فقط استبدلت الأقزام الخضر من تحت الأرض بآخرين من الفضاء.

بقلم امصنصف كريم

مدرس المنطق والفلسفة والفكر الإسلامي بالطور الثانوي من التعليم العتيق بالمغرب. ومجتاز للدورة التكوينية في مساق مدخل إلى الثقافة والنقد الثقافي بمنصة رواق (2016).

 

[1] في معجم اللغة العربية المعاصر نجد أن الخُرافة ، حديث ملفَّق لا أصل له :- { إِنْ هَذَا إلاَّ أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ }: أكاذيبهم المسطورة في كتبهم.

[2] عرف المعجم الرائد الأسطورة بأنها قصة أو حكاية تمتزج فيها مبتدعات الخيال بالتقاليد الشعبية وبالواقع .

البنية النفسية الثلاثية للشخصية عند فرويد في ميزان القرآن

إن العلوم الإنسانية تدرس الواقع الإنساني بحوادثه المختلفة لتجلو ثوابته وتتفهم اتجاهاته، ومن أقسام العلوم الإنسانية الثلاثة علم النفس الذي يدرس سلوك الإنسان كفرد.

ومن مظاهر عناية القرآن بالعلوم الإنسانية عامة وعلم النفس خاصة قوله تعالى: (سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم)(فصلت-53). فالإنسان هو محور اهتمام القرآن، فالقرآن الكريم كله إما حديث إلى الإنسان أو عن الإنسان، على هيئة حقيقة أو وصف مرتبط بموصوف.

وفي القرآن الكريم دراسات مستفيضة للشخصية والصراع النفسي، فحينما تكون شخصية الإنسان في أدنى مستوياتها الإنسانية; بحيث تسيطر عليها الأهواء والشهوات والملذات البدنية والدنيوية، فإنها تكون في حالة ينطبق عليها وصف النفس الأمارة بالسوء، يقول تعالى: (وما أبرئ نفسي إن النفس لأمارة بالسوء إلا ما رحم ربي إن ربي غفور رحيم)(يوسف-53).

وحينما تبلغ الشخصية أعلى مستويات الكمال الإنساني حيث يحدث التوازن التام بين المطالب البدنية والروحية فإنها تصبح في الحالة التي ينطبق عليها وصف النفس المطمئنة، يقول تعالى: (يا أيتها النفس المطمئنة)(الفجر-27).

وبين هذين المستويين مستوى آخر متوسط بينهما يحاسب فيه الإنسان نفسه على ما يرتكب من أخطاء، ويسعى جاهدا عن الامتناع عن ارتكاب ما يغضب الله ويسبب له تأنيب الضمير، ولكنه لا ينجح دائما في مسعاه، فقد يضعف أحيانا ويقع في الخطيئة، ويطلق على الشخصية في هذا المستوى النفس اللوامة، يقول تعالى: (لا أقسم بالنفس اللوامة)(القيامة-2).

بعد نزول القرآن بنحو أربعة عشرة قرنا من الزمن  جاء سيغموند فرويد (1856-1939Sigmund Freud/) طبيب ومفكر نمساوي مؤسس التحليل النفسي الذي يقوم على مسلمة أساسية وهي كون النفس الإنسانية تتكون من الشعور ومن اللاشعور وهو جزء من النفس لا تعيه الذات، وأن الجانب الشعوري ليس إلا الجانب الظاهر من البنية النفسية. من مؤلفاته: تأويل الأحلام، /18991900. ثلاثة دراسات حول الجنس، 1905. ومدخل إلى التحليل النفسي، 1917. 

يؤسس فرويد لنظرية نفسية تربط الأفعال النفسية الواعية بدوافع دفينة ولا شعورية. فقد قادته ملاحظاته العيادية، وقراءاته الشخصية وتشخيصه لنفسيته، إلى التأكد من مشروعية فرضية وجود منطقة لا واعية في الحياة النفسية.

ويؤكد فرويد على أن أفعالنا ليست كلها صادرة عن وعينا وإرادتنا الحرة، بل إن جزءا كبيرا منها يرجع إلى اللاشعور، أي إلى تلك الحياة النفسية اللاواعية التي ترتبط بتاريخ الفرد منذ طفولته المبكرة. 

فاللاوعي أو اللاشعور هو ذلك الجانب الخفي من النفس الذي يضم صورا ورغبات دفينة ومكبوتة. أي تلك الميول والدوافع التي تم كبحها ولم تتمكن من تحقيق الإشباع المباشر بالنظر إلى تعارضها مع مبدأ الواقع، أي مع قيم المجتمع وعاداته وأعرافه.

ويحلل فرويد بنية النفس الإنسانية بتقسيمها إلى ثلاث تشكيلات أو مواقع: (الهو) وهو موطن الغرائز والدوافع والحاجات وهو منطقة لا تخضع للمنطق أو لمقتضيات العقل. أما (الأنا) فهو حصيلة الصراع بين (الهو) وبين (الأنا الأعلى) المثالي المجسد للقيم والمثل، ف(الأنا) هو جماع الشخصية وحصيلة توازنها.

 

يقدم فرويد تصورا ديناميا للشخصية باعتبارها جماع صراع بين الغرائز (الهو) والمثل الأخلاقية (الأنا الأعلى) وضغوط الواقع الاجتماعي. ف(الأنا) هو من جهة نتاج للتوازن والتوفيق بين هذه القوى مثلما هو أداة تحقيق هذا التوازن والتوفيق. فوحدة الشخص، هنا، وحدة دينامية عسيرة ولا متناهية التحقيق.

ف(الأنا) يمثل عند فرويد المستوى الواعي الإدراكي في الحياة النفسية الذي طرأ عليه تعديل بحكم تأثره بالعالم الخارجي. ووظيفة الأنا تكمن في التحكم في المستوى الإدراكي والحركي، وتمثيل العالم الخارجي. ف(الذات) عنده حالة تشبه ما يسمى بالنفس المطمئنة في القرآن.

بينما (الهو) يشكل البعد الغريزي الطبيعي في الشخصية. أي مجموع الدوافع الحيوية الغريزية اللاواعية الكامنة لدى الفرد في عمق النفس والتي تتطلب إشباعا مباشرا للحاجات العضوية والنفسية. وعالم الهو عالم مبهم يسوده منطق الإشباع واللذة وليس مبدأ الواقع. ف(الهو) عنده حالة تشبه ما يسمى بالنفس الأمارة بالسوء في القرآن.

أما (الأنا الأعلى (فهو مجموع القيم والمثل الأخلاقية التي يتعلمها الفرد من المجتمع ونظامه الأخلاقي والتي تضغط باستمرار على بنيته النفسية ليستجيب لها. ف(الذات العليا) عنده حالة تشبه ما يسمى بالنفس المطمئنة في القرآن.[1]

لقد ميز فرويد في نظرية الشخصية بين ثلاثة أقسام للنفس (الهو-الذات-الذات العليا)، ونلمس في بعض وظائفها بعض أوجه الشبه بمفاهيم النفس الأمارة بالسوء، والنفس اللوامة، والنفس المطمئنة الواردة في القرآن، وإن كانت توجد أيضا اختلافات كبيرة بين هذه المفاهيم الثلاثة للنفس في القرآن، وبين أقسام النفس الثلاثة في نظرية فرويد.

فمفاهيم النفس; (الأمارة بالسوء)، و(النفس اللوامة)، و(النفس المطمئنة)، حالات مختلفة تتصف بها النفس أثناء صراعها الداخلي بين الجانب المادي والجانب الروحي في شخصية الإنسان، وهي ليست أقساما مختلفة للنفس، كما أنها لا تتكون أثناء مراحل نمو معينة يمر بها الإنسان، لقوله تعالى: (ونفس وما سواها، ألهمها فجورها وتقواها، قد أفلح من زكاها، وقد خاب من دسها)(الشمس: 7-10). ويمكن أن نتصور هذه المفاهيم الثلاثة للنفس، وهي النفس الأمارة بالسوء، والنفس اللوامة، والنفس المطمئنة على أنها حالات تتصف بها شخصية الإنسان في مستويات مختلفة من الكمال الإنساني التي تمر بها أثناء صراعها الداخلي، بين الجانبين المادي والروحي من طبيعة تكوينها لقوله تعالى: (فأما من طغى، وآثر الحياة الدنيا، فإن الجحيم هي المأوى، وأما من خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى، فإن الجنة هي المأوى)(النازعات:37-40).

أما مفاهيم (الهو) و(الأنا/الذات) و(الأنا الأعلى/الذات العليا)، فهي في نظرية فرويد أقسام مختلفة للنفس، كما أنها تتكون في مراحل مختلفة من نمو الطفل ف(الهو) هو نفس الطفل عقب ميلاده مباشرة إذ يكون الطفل واقعا كليا تحت تأثير متطلباته الغريزية، ثم تحت تأثير العالم الخارجي يبدأ يتكون من (الهو) جزء متميز عنه هو ( الأنا)، وهو الذي يقوم بالتحكم في الغرائز المنبعثة من (الهو)، مراعيا مقتضيات الواقع والعالم الخارجي.[2]   

____________________

[1] مباهج الفلسفة مقرر مدرسي للسنة الأولى والثانية بكالوريا.

[2] آيات الحقائق العلمية في القرآن الكريم ومنهج العلماء في تفسيرها، بحث لنيل الإجازة في الدراسات الإسلامية، اعداد امصنصف كريم، 2004م، ص: 12-14، بالتصرف.

فلسفة: العلاقة مع الغير..

هل العلاقة مع الغير هي علاقة صراع وتنافر أم صداقة وتكامل ؟

إن علاقة الأنا بالغير يلخصها توماس هوبز بقوله الإنسان ذئب لأخيه الإنسان، ويؤيده سارتر بقوله: (( الجحيم هو الآخرون )); باعتبار الغير عند سارتر هو الأخر أي الأنا الذي ليس إياي. بخلاف أرسطو الذي يقرر أن الإنسان مدني بطبعه، باعتبار الغير هو عالم ممكن. وهو ما يؤيده الإسلام لقوله تعالى: { يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ } (سورة الحجرات الآية 13)، ولقد ورد في الحديث عنه ﷺ أنه سمع عليا يقول « اللهم إغننا عن خلقك فقال لا تقل هكذا فإن الخلق يحتاج بعضهم إلى بعض ولكن قل اللهم إغننا عن شرار خلقك ».

خلافا لمن يحدد طبيعة العلاقة بين الأنا والغير في الصراع لا الصداقة، معتمدا في حججه على تاريخ الإنسانية، وهو تاريخ صراع وتفاعل بين السيادة والعبودية; إذ الوجود البشري لا يتكون إلا من خلال الصراع مع الآخر منذ الوعي بالذات، أنا أفكر أنا موجود، والأخرون إلى الجحيم، وهو ما ذهب إليه ألكسندر كوجيف في قوله: (( الإنسان في حالة نشأته لا يكون قط إنسانا وكفى أنه دائما وبالضرورة إما عبد وإما سيد )). تبعا للفلسفة الهيجيلية نسبة إلى هيجل إن العلاقة مع الغير ليست قائمة على الصداقة ولا الشفقة وإنما على مبدأ الهيمنة، فالإنسان إما سيد الغير أو عبده; وهو لا يخرج عن هذه العلاقة التراتبية القائمة على الصراع من أجل نيل الإعتراف وفرض الهيمنة.

المدخل إلى دراسة الفكر الإعتزالي

 س :لماذا الكلام عن المعتزلة، أوليست فرقة واندثرت ؟

ج: نعم اندثر رجالها الغابرون أما فكرهم الثائر فلايزال متقد إلى الحين، حيث ظهرت فرقة تدعى بالمعتزلة الجدد، أصحاب الفكر النقدي الحر كما يدعون. ذلك لما لفكر المعتزلة من تأثير في البلاغة، وتوجيه القراءات القرآنية، والتأويل في تفسير آي القرآن الكريم، مما له صلة وطيدة بعقيدة المسلمين. فكان لزاما لما ذكرت ولما لم أذكر أن نبين بإيجاز ماهية الفكر الإعتزالي، لتكون على بينة من أمرك في معتقدك أيها القارئ الكريم.

 

( أولا ) التعريف بفرقة المعتزلة:

1 - نشأة المعتزلة:

يذكر الشهرستاني أن سبب نشأة المذهب الإعتزالي هو قضية مرتكب الكبيرة، وقول واصل ابن عطاء مؤسس المذهب بأن صاحبها في منزلة بين المنزلتين.

2 - أسسهم النظرية:

أ - مبدؤهم: العقل.

ب - ومنهجهم: التأويل.

ج - وأصولهم الخمسة هي: ( التوحيد، والعدل، والوعد والوعيد، والمنزلة بين المنزلتين، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ).

3 - مواقفهم:

 يلقب المعتزلة بأهل العدل والتوحيد وذلك لأنها أهم أصولهم والباقي متفرع عنها وبناء عليه سنتطرق لبيان آرائهم في العدل والتوحيد فقط.

- موقفهم من مسألة النقل والعقل هو أن العقل قبل ورود السمع لأن معرفة الله فرض ضروري واجبة على الإنسان بالنظر والإستدلال قبل ورود الشرع.

- والتوحيد عندهم ثلاثة أقسام وهي: توحيد الذات، وتوحيد الصفات، وتوحيد الأفعال.

- وموقفهم من مسألة صفات الله هو أن صفات الله هي عين ذاتة أي أن ذات الله وصفاته شيء واحد فالله عالم بذاته قادر بذاته حي بذاته لا بعلم وقدرة وحياة قديمة زائدة.

- والمعتزلة ينفون الصفات الإلهية توحيدا لله في صفة القدم وتنزيها له عن الشريك والشبيه والتجسيم.

- وموقفهم من مسألة كلام الله هو أن كلامه مخلوق يحدثه عند الحاجة إليه.

- وموقفهم من مسألة رؤية الله هو نفي رؤية الله بالأبصار لأنها غير ممكنة، إذ العين لا ترى إلا الأجسام والله ليس بجسم فيشبه الأجسام.

- العدل ثاني أصول المعتزلة وهم يرون أن الله تعالى عادل أي منزه عن أن يضاف إليه ظلم; لأنه لو خلق الظلم لكان ظالم وهذا محال في حقه تعالى.

وللتوكيد على حكمة الله وعدله قال المعتزلة أن الإنسان قادر على خلق أفعاله، خيرها وشرها، ومستحق على ما يفعله ثوابا أو عقابا في الأخرة.

- وقرروا كذلك أن التحسين والتقبيح عقليان لأن الإنسان كائن عاقل، وبعقله يستطيع معرفة الحسن والقبح ( الخير والشر ) من الأفعال، ولو لم يرد بهما الشرع. لأَنَّ الفعل الأخلاقي له قيمة ذاتية ثابتة وهذه القيمة جعلت الفعل الأخلاقي حسنا أو قبيحا بالنظر العقلي عند المعتزلة.

4 - نقد الفكر الإعتزالي:

- يرى الأشاعرة أن المعقول يوافق المنقول وتابع له وأن الواجبات كلها سمعية نقلية، والعقل لا يوجب شيئا.

- ورد الأشاعرة على المعتزلة في تقسيم التوحيد أنه حق أريد به باطل والصواب في التقسيم الثلاثي للتوحيد هو: توحيد الربوبية، وتوحيد الألوهية، وتوحيد الأسماء والصفات.

- والأشاعرة يثبتون صفات الله، وهي قديمة قائمة بذاته، أي لا يمكن تصور انفصالها عن ذاته، فلا يكون الله حيا بغير حياة أو عالما بغير علم أو مريد بغير إرادة أو متكلم بغير كلام، بل الله حي بحياة عالم بعلم مريد بإرادة متكلم بكلام.

- ويرى الأشاعرة أن كلام الله قديم غير مخلوق.

- والاشاعرة يثبتون رؤية الله I بالأبصار في الآخرة. وهو عكس ما ذهب إليه المعتزلة في أقوالهم.

- ويقرر الأشاعرة في تصورهم لمفهوم العدل الإلهي أن الله ليس بظلام للعبيد، باعتباره متصرفا في ملكه كما يشاء وأن ثوابه لعباده ليس بواجب عليه وإنما هو تفضلا منه عليهم، وأن العدل الإلهي لا يقتضي ارسال الرسل وجوبا وإنما وقع ذلك منه تعالى لطفا بالناس.

- ورد الأشاعرة بنظرية كسب الإنسان القدرة والإستطاعة أثناء أفعاله على قول المعتزلة بأن العدل الإلهي يقتضي حرية الإنسان في خلق أفعاله.

- ومذهب الأشاعرة في الحسن والقبح أنهما شرعيان فالواجبات كلها سمعية نقلية، والعقل لا يوجب شيئا، ولا يقتضي تحسينا ولا تقبيحا.

 

 ( ثانيا ) منهج المعتزلة في تفسير نصوص العقيدة [1]:

1 - الإعتداد بالعقل واعتباره المصدر الأول للمعرفة.. ( العقل، القرآن، السنة، الإجماع ).

2 - الإقرار بأسبقية العقل على النقل في الإستدلال.

 3- تقسيم القرآن إلى محكم ومتشابه [2] ورد دلالة المتشابه إلى المحكم عن طريق التأويل.

 4- التذرع بالفروض المجازية لرد دلالة الآيات المعارضة لمذهبهم.

 5- توجيه دلالات الآيات القرآنية توجيها لغويا يطابق عقيدتهم.

 6- رد الأحاديث المعارضة لأصول مذهبهم.

 

( ثالثا ) ضوابط دراسة معتقدات الفرق الكلام:

من يعتاد المسجد نشهد له بالإيمان فلا نكفره[3]. ونحسن الظن بالمسلم فنحمل كلامه على ٲحسن الوجوه[4] بما ٲن اللغة العربية حمالة ٲوجه. وإنما الأعمال بالنيات[5] فللمجتهد إن ٲصاب ٲجران وإن ٲخطاء ٲجر[6].

  

للمزيد اقرأ كتاب ( الفكر الإسلامي: علم الكلام.. )، و كراسة ( تحليل نماذج من نصوص الفكر الإسلامي )، ويمكنك تحميلهما من قسم المكتبة بالموقع.

 

[1] ملخص من كتاب الأثر المذهبي للمعتزلة في التفسير لأستاذنا عبد الرحمن حيسي رئيس قسم شعبة الدراسات الإسلامية بكلية الآداب والعلوم الإنسانية جامعة المولى إسماعيل بمكناس  ( ص: 230-187 ).

[2] قاعدة المعتزلة في تقسيم القرآن إلى محكم ومتشابه: المحكم هو ما يدل بظاهره على موافقة معتقدهم في أصلي العدل والتوحيد. والمتشابه هو ما خالفها، فيجب تأويله ليطابق المحكم... إذ من مذهب المعتزلة أن المتشابه مما يعلم تأويله ( ص: 202-199 ) نفسه بالتصرف.

[3] « إذا رأيتم الرجلَ يعتادُ المسجدَ ، فاشْهَدُوا له بالإيمانِ ، قال اللهُ تعالى : إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ والْيَوْمِ الْآخِر »ِ. الراوي:أبو سعيد الخدري المحدث:الترمذي المصدر:سنن الترمذي الجزء أو الصفحة:3093 حكم المحدث:حسن غريب.

[4]  لقول عمر بن الخطَّاب رضي الله عنه: ( لا يحلُّ لامرئ مسلم يسمع من أخيه كلمة يظنُّ بها سوءًا، وهو يجد لها في شيء من الخير مخرجًا. وقال أيضًا: لا ينتفع بنفسه من لا ينتفع بظنه ). ولقول سعيد بن المسيَّب: ( كتب إليَّ بعض إخواني من أصحاب رسول الله: أن ضع أمر أخيك على أحسنه، ما لم يأتك ما يغلبك، ولا تظنَّن بكلمة خرجت من امرئ مسلم شرًّا، وأنت تجد لها في الخير محملًا ).

ولقول المهلب: ( قد أوجب الله تعالى أن يكون ظنُّ المؤمن بالمؤمن حسنًا أبدًا، إذ يقول:﴿ لَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنفُسِهِمْ خَيْرًا وَقَالُوا هَذَا إِفْكٌ مُّبِينٌ ﴾ ( النور:12)، فإذا جعل الله سوء الظَّن بالمؤمنين إفكًا مبينًا، فقد ألزم أن يكون حُسْن الظَّن بهم صدقًا بينًا ).

[5] « إنما الأعمالُ بالنياتِ، وإنما لكلِّ امرئٍ ما نوى، فمن كانت هجرتُه إلى دنيا يصيُبها، أو إلى امرأةٍ ينكحها، فهجرتُه إلى ما هاجر إليه »ِ. الراوي:عمر بن الخطاب المحدث:البخاري المصدر:صحيح البخاري الجزء أو الصفحة:1 حكم المحدث:[صحيح].

[6] « إذا حكم الحاكمُ فاجتهد ثم أصاب فله أجرانِ ، وإذا حكم فاجتهدَ ثم أخطأَ فله أجر »ِ .ٌ الراوي:عمرو بن العاص المحدث:البخاري المصدر:صحيح البخاري الجزء أو الصفحة:7352 حكم المحدث:[صحيح].

 

مفهوم البيداغوجيا والديداكتيك..

البيداغوجية علم التربية والتعليم للصغار

بِيدَاغُوجِيَّةٌ : ( مصدر صناعيّ ).: عِلْمُ التَّرْبِيَةِ ، يَهْدِفُ إلَى تَنْشِئَةِ الأطْفَالِ وَتَعْليمِهِمْ حَسَبَ مَنَاهِجَ وَطُرُقٍ عِلْمِيَّةٍ مُحَدَّدَةٍ.

البيداغوجيا مصطلح تربوي أصله يوناني ويعني لغويا العبد الذي كان يرافق الأطفال إلى المدرسة. من الصعب إيجاد تعريف محدد للبيداغوجيا، وذلك راجع إلى ارتباط المصطلح بمصطلحات مجاورة.

وبصفة عامة تعني البيداغوجيا مجموع طرق التدريس. وقد نشأ عن المدارس الفلسفية ومدارس علوم النفس المختلفة تمظهرات ومقاربات مختلفة للبيداغوجيا وطرق مختلفة لتحقيقها.

مفهوم البيداغوجيا لا يوجد له مقابل في اللغة العربية ، ولا يوجد له تعريب واضح عند المفكرين التربويين العرب ، لذلك حصل حوله جدل واسع  .

تتكون كلمة " بيداغوجيا " في الأصل اليوناني، من حيث الاشتقاق اللغوي، من شقين، هما:

" Péda "  وتعني الطفل، و" Agôgé "  وتعني القيادة والسياقة، وكذا التوجيه.

وبناء على هذا، كان هو الشخص المكلف بمراقبة الأطفال، والأخذ بيدهم ومصاحبتهم. وكان العبيد يقومون بهذه المهمة في عهد الإغريق.

وبمرور الوقت تحول البيداغوجي لأسباب عدة من المربي بالمفهوم الواسع إلى المعلم المربي ناقل المعرفة. وبذلك تحولت البيداغوجيا من معناها الأصلي المرتبط بإشباع القيم التربوية, إلى منهجية في نقل وتقديم المعرفة وارتبط ذلك بما يعرف بفن "تدريس المعارف والخبرات التعليمية والتعليم ونقل المعلومة والتدريب" من خلال الاساليب الملائمة لفرد او لمجموعة, وانصب الاهتمام على اقتراح الطرائق المختلفة للتعليم والتعلم والتدريب.

الديداكتيك علم فن التدريس

الديداكتيك هي شق من البيداغوجيا موضوعه التدريس، وكلمة ديداكتيك تعني تعليم أو ما نتج عن التعلم وبكلمت أخرى علم التدريس. الديداكتيك بمفهومها الضيق هي نظرية التعليم أو التدريس، وبمعنى أوسع هي نظرية وتطبيق عملي للتعليم والتعلم.

وإنها كذلك نهج، أو بمعنى أدق أسلوب معين لتحليل الظواهر التعليمي، فهي بالأساس تفكير في المادة الدراسية بغية تدريسها، فهي تواجه نوعين من المشكلات : مشكلات تتعلق بالمادة الدراسي وبنيتها ومنطقها … ومشاكل ترتبط بالفرد في وضعية التعلم، وهي مشاكل منطقية وسيكولوجية … ويمكن تعريف الديداكتيك أيضا كمجموع الطرائق والتقنيات والوسائل التي تساعد على تدريس مادة معينة.

الفرق بين الديداكتيك والبيداغوجيا:

الديداكتيك ، هو "التربية الخاصة"، أي خاصة بتعليم المواد ا لدراسية، مثل التربية الخاصة بالرياضيات أو التربية ا لخاصة بالفلسفة، في مقابل التربية العامة أو البيداغوجيا والتي تهتم بمختلف القضايا التربوية في القسم بل وفي النظام التربوي برمته، مهما كانت المادة الملقنة.

التربية والتعليم من النفق إلى الأفق

التربية والتعليم من النفق إلى الأفق
التربية والتعليم: كارثتنا المقبلة:
أؤمن بشكل قاطع أن أحد أسباب الانهيار التي يمكن أن تؤثر في أي دولة في العالم هي كارثة التعليم، والتي ترتبط بالتبعية بالأطفال، الذين هم من المفترض البناء الذي ترتكز عليه الدولة في تقدمها، والقادرون على صناعة الفارق في المستقبل، فإن فسد الطفل، فسدت الأمة تمامًا .(1)
الأسلوب الأمثل للتربية يناسب 12% فقط من أطفال العالم:
أُجريت معظم الأبحاث عن التربية ونمو الطفل في الغرب – خصوصًا في أمريكا الشمالية وشرق أوروبا. لقد أجراها باحثون غربيون يدرسون أطفالًا غربيين لهم آباء غربيين. لكن 12بالمئة فقط من أطفال وآباء العالم يعيشون في الغرب. ولم تتم دراسة الأغلبية العظمى من العائلات في المساحات الشاسعة من العالم بعد. ما يعرفه الباحثون حاليًا وما يُقدم كـ«الأسلوب الأمثل للتربية»، يمكن افتراض أنه يتحدث عن عدد صغير من البشر فقط.
تشير الأبحاث التي أجريت في أماكن أخرى من العالم إلى أن السياق الثقافي يعد من الاعتبارات الهامة عندما يتعلق الأمر بالتربية ونمو الطفل. وبينما تعد بعض جوانب «التربية الجيدة» عالمية (جملة غير مفهومة)، تبدو الجوانب الأخرى مختلفة جدًا من بلد إلى بلد .(2)
سلاح سد الفجوة البحثية:
توجيه ابنك إلي التعليم الإلكتروني وإقناع ابنك أن ما يتعلمه في المدارس الآن ليس إلا مجرد إضاعة للوقت، نعم كما تسمعني سيدي ما أقوله لك الآن ليس لهدم التعليم ولكن إخراج جيل كامل يؤمن بأن ما يقدَّم له من محتوى دراسي في مدارسه محتوى ركيك يهدف إلى مجرد إضاعة الوقت ليس إلا. حينها سيتمكن هذا الجيل من إصلاح تعليمه بنفسه، سيتمكن من إجبار بلاده على إدخال المحتويات القيِّمة التي تهدف إلى التعلم المفيد وليس إضاعة الوقت .(3)
(مع كريمكناس79 نلتقي لنرتقي من النفق إلى الأفق).
المنصات العربية للتعليم عن بعد مجانا:
المنصات العربية للتعليم عن بعد مجانا تخولك الحصول على شهادة انهاء المساق ومن أهمها: (4)
1. منصة زادي، رابط الموقع:
https://zadi.net
2. منصة رواق، رابط الموقع:
https://www.rwaq.org
3. منصة إدراك، رابط الموقع:
https://www.edraak.org
4. منصة مهارة، رابط الموقع:
https://www.maharah.net
5. منصة ندرس، رابط الموقع:
https://www.nadrus.com
6. أكاديمية العمل الحر، رابط الموقع:
http://foacademy.com

___________________________
1. التربية والتعليم: كارثتنا المقبلة معاذ أحمد يوسف 06/08/2016 موقع اضاءات.
2. الكاتب نيكولا داوسون متخصصة بعلم النفس – الصحة العقلية للطفل، جامعة ويتواترسراند. المصدر The Conversation 11/01/2016 مترجم نقلا عن موقع اضاءات .10/07/2016
3. كيف تُعد ابنك للحرب الحسيني رمضان 21/09/2016 موقع إضاءات.
4. نقلا عن موقع karimeknes79.simplesite.com .

تفسير سورة العصر


(تفسير سورة العصر)

- التعريف بالسورة: سورة العصر مكية، وعدد آياتها ثلاثة، نزلت بعد سورة الشرح وقبل سورة العاديات، ترتيبها في المصحف 103.
- تسميتها: سميت بسورة العصر لقسم الله به في مطلعها بقوله: والعصر.
- معناها الإجمالي: هذه السورة في مقام الوعظ بالصلاح وتذكير بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. فقد أقسم الله بالعصر الذي هو الدهر أو الزمان المشتمل على العجائب والدال على قدرة الله وحكمته البالغة على خسارة الإنسان إلا من اتصف بالأوصاف الأربعة، وهي: الإيمان، والعمل الصالح، والتواصي مع الآخرين بالحق، والتواصي بالصبر والمصابرة.
والعصر أقسم الله بالدهر وهو الزمان الذي يقع فيه حركات بني آدم من خير وشر، لأن فيه عبرة للناظر من مرور الليل والنهار على تقدير لا ينخرم. إن الإنسان بمعنى الناس. جواب القسم لفي خسر(الآية - 1) في تجارته لأن الإنسان إذا لم يستعمل نفسه وعمره فيما يوجب له الربح الدائم، فهو في خسران، لأنه عمل في إهلاك نفسه وعمره، وهما أكبر رأس ماله. كما قال : كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه لبئس ما كانوا يفعلون (سورة المائدة - 79).
إلا الذين آمنوا أي: صدقوا الله ورسوله ، وعملوا الصالحات وعملوا بالطاعة. لقوله : يؤمنون بالله واليوم الآخر ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويسرعون في الخيرات وأولئك من الصالحين (سورة آل عمران – 114). وتواصوا أوصى بعضهم بعضا بالحق( الآية - 2) بالإيمان، والتوحيد، والقرآن، واتباع الرسول .
وتواصوا بالصبر( الآية - 3) على طاعة الله ، والقيام بشريعته. فليسوا في خسران. كما في سورة لقمان: يا بني أقم الصلاة وأمر بالمعروف وانه عن المنكر واصبر على ما أصابك إن ذلك من عزم الأمور(سورة لقمان – 16).
- ما يستفاد من الآيات: حكم تعالى بالخسار على جميع الناس إلا من أتى بهذه الأشياء الأربعة وهي: الإيمان، والعمل الصالح، والتواصي بالحق، والتواصي بالصبر.

تم بحمد الله

تفسير مبسط لسورة العصر . مستمد من تفسير الجلالين, وتفسير التسهيل لابن جزي, وتفسير المحرر الوجيز لابن عطية, وتفسير ابن كثير, وتفسير زاد المسير لابن الجوزي, والتفسير المنير للزحيلي, وصفوة التفاسير للصابوني, وايسر التفاسير لابي بكر جابر الجزائري.

تفسير سورة الجن

تفسير سورة التكوير

تفسير سورة لقمان


تفسير سورة لُقْمَان

- سبب التسمية : سميت ‏سورة ‏لقمان ‏لاشتمالها ‏على ‏قصة ‏لقمان ‏الحكيم ‏التي ‏تضمنت ‏فضيلة ‏الحكمة ‏وسر ‏معرفة ‏الله ‏تعالى ‏وصفاته ‏وذم ‏الشرك ‏والأمر. ‏ بمكارم ‏الأخلاق ‏والنهي ‏عن ‏القبائح ‏والمنكرات ‏وما ‏تضمنه ‏كذلك ‏من ‏الوصايا ‏الثمينة ‏التي ‏أنطَقَه ‏الله ‏بها .‎
-
التعريف بالسورة :
1) مكية . ماعدا الآيات: وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِن شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِن بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَّا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّـهِ إِنَّ اللَّـهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ﴿26﴾ مَّا خَلْقُكُمْ وَلَا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ إِنَّ اللَّـهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ ﴿27﴾ أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّـهَ يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى وَأَنَّ اللَّـهَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ ﴿28 فمدنية .

2)من المثاني .
3) عدد آياتها ثلاثة و ثلاثون .
4) ترتيبها في المصحف الحادية والثلاثون .
5) نزلت بعد سورة "الصافات" وقبل سورة سبأ.
6) بدأت بأحد حروف الهجاء الم . ولقمان اسم لأحد الصالحين اتصف بالحكمة . 7) الجزء 21 ، الحزب ،42 ، الربع 4،5 .
- سبب نزولها: ان قريشا سألت النبي ﷺ عن قصة لقمان مع ابنه وعن بره والديه ، فنزلت.
- فضل السورة : أخرج النسائي وابن ماجة عن البراء قال : كنا نصلي خلف النبي الظهر ونسمع منه الآية بعد الآية من سورة لقمان والذاريات .
- المعنى الإجمالي لسورة: اشتملت هذه السورة على الموضوعات التالية : فبدأت ببيان معجزة النبي الخالدة وهي القرآن دستور الهداية الربانية ، وموقف الناس منه ، ففريق المؤمنين يصدّقون بكل ما جاء فيه ، فيظفرون بالجنان ، وفريق الكافرين الساخرين الهازئين الذي يعرضون عما فيه من الآيات ، ويضلون عن سبيل اللّه جهلا وسفها ، فيتلقون العذاب الأليم. ثم تحدثت عن أدلة الوحدانية والقدرة الباهرة للّه ربّ العالمين من خلق العالم والكون ، وتلا ذلك بيان قصة لقمان الحكيم ووصاياه الخالدة لابنه ، تعليما للناس وإرشادا لهم ، وعلى رأسها نبذ الشرك ، وبر الوالدين ، ورقابة اللّه على كل صغيرة وكبيرة ، وإقامة الصلاة ، والأمر بالمعروف ، والنهي عن المنكر ، والتواضع واجتناب الكبر ، ومشي الهوينى ، وإخفاض الصوت.

وأردف ذلك توبيخ المشركين على إصرارهم على الشرك مع مشاهدتهم أدلة التوحيد ، والنعي عليهم في تقليدهم الآباء ، وجحودهم نعم اللّه الكثيرة التي لا حصر لها ، وإعلامهم أن طريق النجاة هو إسلام النفس للّه والإحسان بالعمل الصالح ، وبيان تناقضهم حين يقرّون بأن اللّه هو خالق كل شيء ثم يعبدون معه غيره ، مع أن اللّه هو مالك السموات والأرض والمنعم بجلائل النعم ، وعلمه محيط بكل شيء ، وأن خلق جميع البشر وبعثهم كخلق نفس واحدة وبعثها ، فهو المدبر والمصرف الذي لا يعجزه شيء ، وأنهم يتضرعون إليه وقت الشدة ويشركون به وقت الرخاء. ثم أضافت السورة أدلة أخرى على القدرة الإلهية من إيلاج الليل في النهار وبالعكس ، وتسخير الشمس والقمر ، وتسيير السفن في البحار وغير ذلك.
و ختمت السورة ببيان الأمر بالتقوى والخوف من عذاب يوم القيامة الذي لا بد من إتيانه ، ولا أمل فيه بنصرة أحد ، وعدم الاغترار بمتاع الدنيا وزخارفها ، والتنبيه على مفاتيح الغيب الخمسة التي اختص اللّه بعلمها ، وأن اللّه محيط علمه بالكائنات جميعها ، خبير بكل ما يجري فيها.

مميزات القرآن الكريم و خصائصه، وأوصاف المؤمنين به: ( الآيات: 1- 4 ).
الم تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ ﴿1﴾ هُدًى وَرَحْمَةً لِّلْمُحْسِنِينَ ﴿2﴾ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُم بِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ ﴿3﴾ أُولَـئِكَ عَلَى هُدًى مِّن رَّبِّهِمْ وَأُولَـئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ﴿4﴾ .
- اللغة :

[الحكيم ]
المحكم الذي لا خلل فيه ولا تناقض.

[يوقنون ] اليقين : التصديق الجازم.
[الْمُفْلِحُونَ] الفائزون.
- تفسير معاني الآيات:
الم اللَّه أَعْلَم بِمُرَادِهِ بِهِ.
تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ أَيْ هَذِهِ الْآيَات من الْقُرْآن ذي الحكمة .
الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاة بَيَان لِلْمُحْسِنِينَ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ هُمْ الثَّانِي تَأْكِيد.
- من هداية الآيات:
1- بيان إعجاز القرآن حيث ألف من مثل آلم، وص، وطس، ولم يستطع خصومه تحديه.
2- بيان معنى الحكيم وفضل الحكمة.
3- بيان أن القرآن بيان للهدى المنجي المسعد ورحمة لمن آمن به وعمل بما فيه.
4- فضل الصلاة والزكاة واليقين.
5- بيان مبنى الدين: وهو الإيمان والإسلام والإحسان.

حال الكفار المعرضين عن القرآن وإقبال المؤمنين عليه: ( الآيات: 5 – 8 ).
وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَن سَبِيلِ اللَّـهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَهَا هُزُوًا أُولَـئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ ﴿5﴾ وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا وَلَّى مُسْتَكْبِرًا كَأَن لَّمْ يَسْمَعْهَا كَأَنَّ فِي أُذُنَيْهِ وَقْرًا فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ ﴿6﴾ إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ جَنَّاتُ النَّعِيمِ ﴿7﴾ خَالِدِينَ فِيهَا وَعْدَ اللَّـهِ حَقًّا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ﴿8﴾ .
- اللغة:
[لهو الحديث ]
الباطل الملهي عن الخير والعبادة.

[وقرا] ثقلا وصمما يمنع من السماع.
- المناسبة :

بعد بيان أن القرآن كتاب حكيم يشتمل على آيات حكيمة ، وبعد بيان حال السعداء المهتدين بهديه ، المنتفعين بسماعه ، بيّن اللّه تعالى حال الكفار الأشقياء التاركين له المشتغلين بغيره ، وأعقبه بوعيدهم بالعذاب المهين المؤلم ، وعطف عليه وعد المؤمنين به المقبلين على تلاوته ، الملتزمين حدوده من أوامر ونواه.
- تفسير معاني الآيات:
لَهْو الْحَدِيث أَيْ مَا يُلْهِي مِنْهُ عَنْ سَبِيل اللَّه طَرِيق الْإِسْلَام هزؤا مَهْزُوءًا بِهَا أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَاب مُهِين ذُو إهانة.
- سبب نزول قوله تعالى :
ومن الناس من يشتري لهو الحديث ، روي أنها نزلت في قرشي اشترى جارية مغنية تغني بهجاء محمد ﷺ وسبه فنزلت الآية في ذلك ، وقيل إنه ابن خطل ، فالشراء على هذا حقيقة.

وروي عن أبي أمامة الباهلي بأن النبي ﷺ قال : « شراء المغنيات وبيعهن حرام » وقرأ هذه الآية ، وقال في هذا المعنى أنزلت علي هذه الآية .
و روى الترمذي الحديث بمعناه عن أبي أمامة كتاب البيوع ج 3 باب 51 ونصه: لا تبيعوا القينات ولا تشتروهن ولا تعلّموهن ولا خير في تجارة فيهن وثمنهن حرام. وبهذا فسر ابن مسعود وابن عباس وجابر بن عبد الله ومجاهد ، وقال الحسن لهو الحديث المعازف والغناء .
وقال بعض الناس نزلت في النضر بن الحارث وكان قد تعلم أخبار فارس، لأنه اشترى كتب رستم واسبندياد وكان يخلف رسول الله ﷺ فيحدثهم بتلك الأباطيل ويقول أنا أحسن حديثاً من محمد ، وقال قتادة : الشراء في هذه الآية مستعار ، وشراء لهو الحديث استحبابه وسماعه، فالشراء على هذا مجاز، وإنما نزلت الآية في أحاديث قريش وتلهيهم بأمر الإسلام وخوضهم في الأباطيل . ومعنى اللفظ يعم ذلك كله، وظاهر الآية أنه لهو مضاف إلى الكفر بالدين واستخفاف، لقوله تعالى: لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ الآية، وأن المراد شخص معين، لوصفه بعد ذلك بجملة أوصاف.

و لهو الحديث كل ما يلهي من غناء وخنى ونحوه ، والآية باقية المعنى في أمة محمد ولكن ليس ليضلوا عن سبيل الله بكفر ولا يتخذوا الآيات هزواً ولا عليهم هذا الوعيد ، بل ليعطل عبادة ويقطع زماناً بمكروه.
وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتنَا أَيْ الْقُرْآن وَلَّى مُسْتَكْبِرًا مُتَكَبِّرًا فِي أُذُنَيْهِ وَقْرًا صَمَمًا وَجُمْلَتَا فَبَشِّرْهُ أعلمه بعذاب أليم مؤلم ذكر الْبِشَارَة تَهَكُّم بِهِ وَهُوَ النَّضْر بْن الْحَارِث كَانَ يَأْتِي الْحِيرَة يَتَّجِر فَيَشْتَرِي كُتُب أَخْبَار الْأَعَاجِم وَيُحَدِّث بِهَا أَهْل مَكَّة وَيَقُول إنَّ مُحَمَّدًا يُحَدِّثكُمْ أَحَادِيث عَادٍ وَثَمُود وَأَنَا أُحَدِّثكُمْ أَحَادِيث فَارِس وَالرُّوم فَيَسْتَمْلِحُونَ حَدِيثه وَيَتْرُكُونَ اسْتِمَاع القرآن.
خَالِدِينَ فِيهَا أَيْ مُقَدَّرًا خُلُودهمْ فِيهَا إذَا دَخَلُوهَا وَعْد اللَّه حَقًّا أَيْ وَعَدَهُمْ اللَّه ذَلِكَ وَحَقّه حَقًّا وَهُوَ الْعَزِيز الَّذِي لَا يَغْلِبهُ شَيْء فَيَمْنَعهُ مِنْ إنْجَاز وَعْده وَوَعِيده الْحَكِيم الَّذِي لَا يَضَع شَيْئًا إلا في محله.
- من هداية الآيات:
1- إن من أعظم الجرائم الإعراض عن سماع القرآن كلام اللّه ، وشغل الناس بسماع غيره من أنواع الكلام غير المفيد من القصص والأساطير والمضاحيك ونحو ذلك من ألوان اللهو والعبث ، بقصد الإضلال والصد عن دين اللّه تعالى ، ويستحق المعرض المتولي تكبرا عن القرآن عذابا أليما.
2- استدل ابن مسعود وابن عباس وغيرهما بقوله : لَهْوَ الْحَدِيثِ على منع استماع المزامير والغناء بالألحان وآلات الطرب.
- حكم الغناء عند الفقهاء : للفقهاء ، ومنهم علماء المذاهب الأربعة على المعتمد لديهم تفصيل في حكم الغناء هو ما يأتي :
أ - الغناء الحرام : هو الذي يحرّك النفوس ، ويبعثها على الهوى والغزل ، والمجون ، بكلام يشبّب فيه بذكر النساء ووصف محاسنهن ، وذكر الخمور والمحرّمات لأنه اللهو والغناء المذموم بالاتفاق. وإذا لم يجز فأخذ الأجرة عليه لا يجوز.
ب - الغناء المباح : هو ما سلم مما ذكر ، فيجوز القليل منه في أوقات الفرح كالعرس والعيد ، وعند التنشيط على الأعمال الشاقة ، كما كان في حفر الخندق حول المدينة .

الاستدلال بخلق السموات والأرض على وحدانية اللّه وإبطال الشرك: الآيات: 9 – 10 ).
خَلَقَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَن تَمِيدَ بِكُمْ وَبَثَّ فِيهَا مِن كُلِّ دَابَّةٍ وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنبَتْنَا فِيهَا مِن كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ ﴿9﴾ هَـذَا خَلْقُ اللَّـهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِن دُونِهِ بَلِ الظَّالِمُونَ فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ ﴿10﴾ .
- اللغة
:

[عمد] جمع عماد وهو الدعامة التي يرتكز عليها الشيء.
[رواسي ]
جبالا ثوابت ، ورست السفينة : إذا ثبتت واستقرت.

[تميد] تتحرك وتضطرب.
[بث ]
نشر وفرق .
- المناسبة :

بعد قوله تعالى : وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ الدال على عزته وحكمته وكمال قدرته وعلمه وإتقان صنعه ، ذكر اللّه تعالى الأدلة على قدرته العظيمة من خلق السموات والأرض وما فيهما وما بينهما ، لتقرير وحدانيته ، وإبطال الشرك ، والتنبيه إلى وجوب اتباع الحق الذي جاءت به الرسل.
- تفسير معاني الآيات
:

خلق السَّمَاوَات بِغَيْرِ عَمَد تَرَوْنَهَا أَيْ الْعَمَد جَمْع عِمَاد وَهُوَ الْأُسْطُوَانَة وَأَلْقَى فِي الْأَرْض رَوَاسِي جِبَالًا مُرْتَفِعَة ل أَنْ لَا تَمِيد تَتَحَرَّك مِنْ كُلّ زَوْج كَرِيم صِنْف حَسَن.
هَذَا خَلْق اللَّه أَيْ مَخْلُوقه فَأَرُونِي أَخْبِرُونِي يَا أَهْل مَكَّة مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونه غَيْره أَيْ آلِهَتكُمْ حَتَّى أَشْرَكْتُمُوهَا بِهِ تَعَالَى وَمَا اسْتِفْهَام إنْكَار الظَّالِمُونَ فِي ضَلَال مُبِين بَيِّن بِإِشْرَاكِهِمْ وَأَنْتُمْ منهم.
- من هداية الآيات:
1- حرمة غناء النساء للرجال الأجانب.
2- حرمة شراء الأغاني في الأشرطة والاسطوانات التي بها غناء العواهر والخليعين من الرجال.
3- حرمة حفلات الرقص والغناء الشائعة اليوم في العالم كافره ومسلمه.
4- دعوة الله تقوم على دعامتي الترهيب والترغيب والبشارة والنذارة.
5- بيان شتّى مظاهر القدرة والعلم والعز والحكمة الموجب للإيمان والتوحيد.
6- لا قصور في الأدلة والحجج الإلهية وإنما ضلال العقول بالشرك والمعاصي هو المانع من الاهتداء. والعياذ بالله تعالى.

وصية لقمان الحكيم لابنه: ( الآيات: 11 – 18 ).
وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ أَنِ اشْكُرْ لِلَّـهِ وَمَن يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ اللَّـهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ ﴿11﴾ وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّـهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ ﴿12﴾ وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ ﴿13﴾ وَإِن جَاهَدَاكَ عَلَى أَن تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ ﴿14﴾ يَا بُنَيَّ إِنَّهَا إِن تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ فَتَكُن فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّـهُ إِنَّ اللَّـهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ ﴿15﴾ يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ ﴿16﴾ وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّ اللَّـهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ ﴿17﴾ وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِن صَوْتِكَ إِنَّ أَنكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ ﴿18﴾ .
- اللغة:

[الحكمة] الإصابة في القول والعمل ، وأصلها وضع الشيء في موضعه ، قال فى اللسان : أحكـم الأمر أتقنه ويقال للرجل إذا كان حكيما : قد أحكمته التجارب ، والحكيم : المتقن للأمور.
[يعظه ] ينصحه ويذكره ، والعظة والموعظة : النصح والإرشاد.
[وهنا]
الوهن : الضعف ومنه.

[وهن العظم مني ] أى ضعف.
[فصاله ] الفصال : الفطام وهو لفظ يستعمل فى الرضاع خاصة، وأما الفصل فهو أعم ، وفصلت المرأة ولدها أى فطمته وتركت إرضاعه.
[أناب ]
رجع ، والمنيب الراجع إلى ربه بالتوبة والاستغفار .

[تصعر] الصعر: بفتحتين فى الأصل داء يصيب البعير فيلوي منه عنقه ، ثم استعمل في ميل العنق كبرا وافتخارا.
[مرحا] فرحا وبطرا وخيلاء .
[مختال ] متبختر في مشيته .
[اقصد] توسط ، والقصد : التوسط بين الإسراع والبطء .
[اغضض] غضض الصوت خفضه .
- المناسبة :
بعد أن بيّن اللّه تعالى فساد اعتقاد المشركين وأن المشرك ظالم ضال ، ذكر ما يدل على ضلالهم وظلمهم بمقتضى الحكمة والعلم المرشد إلى الإقرار بوحدانيته ، وإن لم يكن هناك نبوة ، فإن لقمان توصل إلى إثبات التوحيد وإطاعة اللّه والتزام مكارم الأخلاق دون نبي ولا رسول.
- تفسير معاني الآيات:
وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَان الْحِكْمَة مِنْهَا الْعِلْم وَالدِّيَانَة وَالْإِصَابَة فِي الْقَوْل كَانَ قَبْل بَعْثَة دَاوُد وَأَدْرَكَ بَعْثَته وَأَخَذَ عَنْهُ الْعِلْم أَنْ أَيْ وَقُلْنَا لَهُ أَنْ اُشْكُرْ لِلَّهِ عَلَى مَا أَعْطَاك مِنْ الْحِكْمَة وَمَنْ يَشْكُر فَإِنَّمَا يَشْكُر لِنَفْسِهِ لِأَنَّ ثَوَاب شُكْره لَهُ وَمَنْ كَفَرَ النِّعْمَة فَإِنَّ اللَّه غَنِيّ عَنْ خَلْقه حَمِيد مَحْمُود فِي صنعه .
وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ لُقْمانَ رجل صالح نوبياً أسود ينطق بالحكمة ابن أخت أيوب أو ابن خالته، وروي أنه كان قاضي بني إسرائيل، واختلف في صناعته، فقيل: كان نجارا وقيل: خياطا، وقيل: راعي غنم، وكان ابنه كافرا فما زال يوصيه حتى أسلم، وروي أن اسم ابنه ثاران.
وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَان بِوَالِدَيْهِ أَمَرْنَاهُ أَنْ يَبَرّهُمَا وَهْنًا عَلَى وَهْن أَيْ ضَعُفَتْ لِلْحَمْلِ وَضَعُفَتْ لِلطَّلْقِ وَضَعُفَتْ لِلْوِلَادَةِ وَفِصَاله أَيْ فِطَامه فِي عَامَيْنِ إلَيَّ الْمَصِير أَيْ الْمَرْجِع.
وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ .

وَصَاحِبهمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا أَيْ بِالْمَعْرُوفِ الْبِرّ وَالصِّلَة وَاتَّبِعْ سَبِيل طَرِيق مَنْ أَنَابَ رَجَعَ إلَيَّ بِالطَّاعَةِ فَأُنَبِّئكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ فَأُجَازِيكُمْ عَلَيْهِ .
- سبب النزول: روي أن هاتين الآيتين نزلتا في شأن سعد بن أبي وقاص و أمه حمنة بنت أبي سفيان بن أمية قال سعد: كنت رجلاً براً بأمي فلما أسلمت قالت: يا سعد ما هذا الدين الذي قد أحدثت لتدعن عن دينك هذا أو لا آكل ولا أشرب حتى أموت فتعير بي فيقال يا قاتل أمه قلت: لا تفعلي يا أمه فإني لا أدع ديني هذا لشيء قال: فمكثت يوماً لا تأكل فأصبحت قد جهدت قال فمكثت يوماً آخر وليلة لا تأكل فأصبحت وقد اشتد جهدها قال: فلما رأيت ذلك قلت تعلمين والله يا أمه لو كانت لك مائة نفس فخرجت نفساً نفساً ما تركت ديني هذا لشيء إن شئت فكلي وإن شئت فلا تأكلي فلما رأت ذلك أكلت فأنزلت هذه الآية وَإِن جاهَداكَ الآية.
إنَّهَا أَيْ الْخَصْلَة السَّيِّئَة إنْ تَكُ مِثْقَال حَبَّة مِنْ خَرْدَل فَتَكُنْ فِي صَخْرَة أَوْ فِي السَّمَاوَات أَوْ فِي الْأَرْض أَيْ فِي أَخْفَى مَكَان مِنْ ذَلِكَ يَأْتِ بِهَا اللَّه فَيُحَاسِب عَلَيْهَا إنَّ اللَّه لَطِيف بِاسْتِخْرَاجِهَا خَبِير بِمَكَانِهَا.
يَا بُنَيّ أَقِمْ الصَّلَاة وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنْ الْمُنْكَر وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَك بِسَبَبِ الْأَمْر وَالنَّهْي إنَّ ذَلِكَ الْمَذْكُور مِنْ عَزْم الْأُمُور أَيْ مَعْزُومَاتهَا الَّتِي يَعْزِم عَلَيْهَا لِوُجُوبِهَا.
وَلَا تُصَعِّر خَدّك لِلنَّاسِ لَا تَمِلْ وَجْهك عَنْهُمْ تَكَبُّرًا وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْض مَرَحًا أَيْ خُيَلَاء إنَّ اللَّه لا يُحِبّ كُلّ مُخْتَال مُتَبَخْتِر فِي مَشْيه فَخُور على الناس.
وَاقْصِدْ فِي مَشْيك تَوَسَّطْ فِيهِ بَيْن الدَّبِيب وَالْإِسْرَاع وَعَلَيْك السَّكِينَة وَالْوَقَار وَاغْضُضْ اخْفِضْ مِنْ صَوْتك إنَّ أَنْكَر الْأَصْوَات أَقْبَحهَا لَصَوْت الْحَمِير أَوَّله زَفِير وَآخِره شَهِيق.
- من هداية الآيات:
1- تقرير التوحيد والتنديد بالشرك.
2- بيان الحكمة وهي شكر الله تعالى بطاعته وذكره إذ لا يشكر إلا عاقل فقيه.
3- مشروعية الوعظ والإرشاد للكبير والصغير والقريب والبعيد.
4- التهويل في شأن الشرك وإنه لظلم عظيم.
5- بيان مدة الرضاع وهي في خلال العامين لا تزيد.
6- وجوب بر الوالدين وصلتهما.
7- تقرير مبدأ لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق بعدم طاعة الوالدين في غير المعروف.
8- وجوب اتباع سبيل المؤمنين من أهل السنة والجماعة وحرمة اتباع سبيل أهل البدع والضلالة.
9- وجوب مراقبة الله تعالى وعدم الاستخفاف بالحسنة والسيئة مهما قلت وصغرت.
10- وجوب إقام الصلاة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والصبر على ما يلحق الآمر والناهي من أذى.
11- حرمة التكبر والاختيال في المشي ووجوب القصد في المشي والصوت فلا يسرع ولا يرفع صوته إلا على قدر الحاجة.

توبيخ المشركين على شركهم بالرغم من مشاهدتهم دلائل التوحيد: ( الآيات: 19 – 20 ).
أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّـهَ سَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً وَمِنَ النَّاسِ مَن يُجَادِلُ فِي اللَّـهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُّنِيرٍ ﴿19﴾ وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللَّـهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ الشَّيْطَانُ يَدْعُوهُمْ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ ﴿20﴾ .
- اللغة :
[اسبغ ]
أتم وأكمل يقال : سبغت النعمة سبوغا إذا تمت.

- المناسبة:
بعد أن استدل اللّه تعالى بقوله : خَلَقَ السَّماواتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ على الوحدانية وذكر أن لقمان عرف ذلك بالحكمة ، لا بالنبوة ، عاد إلى توبيخ المشركين على إصرارهم على الشرك ، مع مشاهدتهم دلائل التوحيد عيانا في عالم السموات والأرض ، وتسخير ما فيها لمنافعهم ، وإنعامه عليهم بالنعم المحسوسة والمعقولة ، المعروفة لهم وغير المعروفة.
- تفسير معاني الآيات:
أَلَمْ تَرَوْا تَعْلَمُوا يَا مُخَاطَبِينَ أَنَّ اللَّه سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَات لِتَنْتَفِعُوا بِهَا وَمَا فِي الْأَرْض مِنْ الثِّمَار وَالْأَنْهَار وَالدَّوَابّ وَأَسْبَغَ أَوْسَعَ وَأَتَمَّ عَلَيْكُمْ نِعَمه ظَاهِرَة وَهِيَ حُسْن الصُّورَة وَتَسْوِيَة الْأَعْضَاء وَبَاطِنَة هِيَ الْمَعْرِفَة وَمِنْ النَّاس أَيْ أَهْل مَكَّة مَنْ يُجَادِل فِي اللَّه بِغَيْرِ عِلْم وَلَا هُدَى مِنْ رَسُول وَلَا كِتَاب مُنِير أَنْزَلَهُ اللَّه بَلْ بالتقليد.
وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجادِلُ نزلت في النضر بن الحارث وأمثاله.
- من هداية الآيات:
1- تعيين الاستدلال بالخلق على الخالق وبالنعمة على المنعم.
2- وجوب ذكر النعم وشكرها لله تعالى بطاعته وطاعة رسوله ﷺ .
3- حرمة الجدل بالجهل ودون علم.
4- حرمة التقليد في الباطل والشر والفساد كتقليد بعض المسلمين اليوم للكفار في عاداتهم وأخلاقهم ومظاهر حياتهم.

المُقبلون على الله هم الناجون والمعرضون عنه هم المعذبين: ( الآيات: 21 – 23 ).
وَمَن يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّـهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى وَإِلَى اللَّـهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ ﴿21﴾ وَمَن كَفَرَ فَلَا يَحْزُنكَ كُفْرُهُ إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ فَنُنَبِّئُهُم بِمَا عَمِلُوا إِنَّ اللَّـهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ ﴿22﴾ نُمَتِّعُهُمْ قَلِيلًا ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ إِلَى عَذَابٍ غَلِيظٍ ﴿23﴾.
- اللغة:
[استمسك ] تمسك وتعلق واعتصم.
- المناسبة :
بعد بيان حال الكافر المجادل في اللّه جهلا وعنادا ، أبان اللّه تعالى حال المسلم ، وأخبر بأن منتهى الأمور صائرة إليه ، ثم أردفه بتسلية الرسول ﷺ على ما يلقاه من إعراض المشركين عن دعوته عنادا ، وهددهم بالعقاب الشديد في الدنيا والآخرة ، مع التنبيه بأن عذاب الآخرة أشد وأثقل.
- تفسير معاني الآيات:
وَمَنْ يُسْلِم وَجْهه إلَى اللَّه أَيْ يُقْبِل عَلَى طَاعَته وَهُوَ مُحْسِن مُوَحِّد فَقَدْ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى بِالطَّرَفِ الْأَوْثَق الَّذِي لَا يَخَاف انْقِطَاعه وَإِلَى اللَّه عَاقِبَة الْأُمُور مَرْجِعهَا.

وَمَنْ كَفَرَ فَلَا يَحْزُنك يَا مُحَمَّد كُفْره لَا تَهْتَمّ بِكُفْرِهِ إنَّ اللَّه عَلِيم بِذَاتِ الصُّدُور أَيْ بِمَا فِيهَا كَغَيْرِهِ فَمَجَاز عَلَيْه.
نُمَتِّعهُمْ فِي الدُّنْيَا قَلِيلًا أَيَّام حَيَاتهمْ ثُمَّ نَضْطَرّهُمْ فِي الْآخِرَة إلَى عَذَاب غَلِيظ وَهُوَ عَذَاب النَّار.

إثبات وجود اللّه وسعة علمه وشمول قدرته على البعث وكل شيء( الآيات: 24 – 31 ).
وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّـهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّـهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ ﴿24﴾ لِلَّـهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِنَّ اللَّـهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ ﴿25﴾ وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِن شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِن بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَّا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّـهِ إِنَّ اللَّـهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ﴿26﴾ مَّا خَلْقُكُمْ وَلَا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ إِنَّ اللَّـهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ ﴿27﴾ أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّـهَ يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى وَأَنَّ اللَّـهَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ ﴿28﴾ ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّـهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِن دُونِهِ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّـهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ ﴿29﴾ أَلَمْ تَرَ أَنَّ الْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِنِعْمَتِ اللَّـهِ لِيُرِيَكُم مِّنْ آيَاتِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ ﴿30﴾ وَإِذَا غَشِيَهُم مَّوْجٌ كَالظُّلَلِ دَعَوُا اللَّـهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ فَمِنْهُم مُّقْتَصِدٌ وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلَّا كُلُّ خَتَّارٍ كَفُورٍ ﴿31﴾ .
- اللغة
:

[نفدت ] فنيت وفرغت.
[يولج ] يدخل والإيلاج : الإدخال ومنه حتى يلج الجمل فى سم الخياط .
[الفلك ] السفن.
[كالظلل ] الظلل : جمع ظلة وهي كل ما اظلك من جبل أو سحاب.
[ختار] الختار : الغدار، والختر : أسوء الغدر، قال الشاعر : فإنك لو رأيت آبا عمير ملأت يديك من غدر وختر.
- المناسبة :
بعد إقامة الأدلة على وحدانية اللّه بخلق السموات بغير عمد ، وبإمداد خلقه بنعمه الظاهرة والباطنة ، أبان اللّه تعالى أن المشركين معترفون بوجود اللّه ، وأنهم يتضرعون إليه وحده وقت الشدة ، ثم يعودون إلى كفرهم بعد النجاة. ثم أثبت تعالى وحدانيته بملكه ما في السموات وما في الأرض ، ثم أقام الدليل على سعة علمه ، وشمول قدرته على كل شيء ، ومنه خلق الناس وبعثهم ، وتعاقب الليل والنهار ، وتسخير الشمس والقمر في دورة محددة ، وتسيير السفن في البحار بتيسيره وتهيئة أسبابه ، علما بأن المشركين يعترفون بتلك الآيات.
- تفسير معاني الآيات:
ولئن لام قسم والله إن قُلْ الْحَمْد لِلَّهِ عَلَى ظُهُور الْحُجَّة عَلَيْهِمْ بِالتَّوْحِيدِ.
لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَات وَالْأَرْض مُلْكًا وَخَلْقًا وَعَبِيدًا فَلَا يَسْتَحِقّ الْعِبَادَة فِيهِمَا غَيْره إنَّ اللَّه هُوَ الْغَنِيّ عَنْ خَلْقه الْحَمِيد الْمَحْمُود في صنعه.

سَبْعَة أَبْحُر مِدَادًا مَا نَفِدَتْ كَلِمَات اللَّه الْمُعَبَّر بِهَا عَنْ مَعْلُومَاته بِكَتْبِهَا بِتِلْكَ الْأَقْلَام بِذَلِكَ الْمِدَاد وَلَا بِأَكْثَر مِنْ ذَلِكَ لِأَنَّ مَعْلُومَاته تَعَالَى غَيْر مُتَنَاهِيَة أَنَّ اللَّه عَزِيز لَا يُعْجِزهُ شَيْء حَكِيم لَا يَخْرُج شَيْء عَنْ عِلْمه وَحِكْمَته.
مَا خَلْقكُمْ وَلَا بَعْثكُمْ إلَّا كَنَفْسٍ وَاحِدَة خَلْقًا وَبَعْثًا لِأَنَّهُ بِكَلِمَةِ كُنْ فَيَكُون إنَّ اللَّه سَمِيع يَسْمَع كُلّ مَسْمُوع بَصِير يُبْصِر كُلّ مُبْصِر لَا يَشْغَلهُ شَيْء عَنْ شَيْء.
أَلَمْ تَرَ تَعْلَم يَا مُخَاطَب أَنَّ اللَّه يُولِج يُدْخِل اللَّيْل فِي النَّهَار وَيُولِج النَّهَار يُدْخِلهُ فِي اللَّيْل فَيَزِيد كُلّ مِنْهُمَا بِمَا نَقَصَ مِنْ الْآخَر وَسَخَّرَ الشَّمْس وَالْقَمَر كُلّ مِنْهُمَا يَجْرِي فِي فَلَكه إلَى أَجَل مُسَمَّى هو يوم القيامة .
ذَلِكَ
الْمَذْكُور بِأَنَّ اللَّه هُوَ الْحَقّ الثَّابِت وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ يَعْبُدُونَ مِنْ دُونه الْبَاطِل الزَّائِل وَأَنَّ اللَّه هُوَ الْعَلِيّ عَلَى خَلْقه بِالْقَهْرِ الْكَبِير الْعَظِيم.

أَلَمْ تَرَ أَنَّ الْفُلْك السُّفُن لِيُرِيَكُمْ يَا مُخَاطَبِينَ بِذَلِكَ إن فِي ذَلِكَ لَآيَات عِبَرًا لِكُلِّ صَبَّار عَنْ مَعَاصِي اللَّه شَكُور لِنِعْمَتِهِ.
وَإِذَا غَشِيَهُمْ أَيْ عَلَا الْكُفَّار مَوْج كَالظُّلَلِ كَالْجِبَالِ الَّتِي تُظِلّ مَنْ تَحْتهَا دَعَوْا اللَّه أَيْ الدُّعَاء بِأَنْ يُنْجِيهِمْ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّين أَيْ لَا يَدْعُونَ مَعَهُ غَيْره فَمِنْهُمْ مُقْتَصِد مُتَوَسِّط بَيْن الْكُفْر وَالْإِيمَان وَمَا يَجْحَد وَمِنْهُمْ بَاقٍ عَلَى كُفْره بآياتنا ومنها الإنجاء من الْمَوْج إلَّا كُلّ خَتَّار غَدَّار كَفُور لِنِعَمِ الله تعالى.
- من هداية الآيات:
1- بيان نجاة أهل لا إله إلا الله وهم الذين عبدوا الله وحده بما شرع لهم على لسان رسوله محمد ﷺ .
2- تقرير عقيدة البعث والجزاء.
3- بيان أن المشركين من العرب موحدون في الربوبية مشركون في العبادة كما هو حال كثير من الناس اليوم.
يعتقدون أن الله رب كل شيء ولا ربّ سواه ويذبحون وينذرون ويحلفون بغيره، ويخافون غيره ويرهبون سواه.
4- بيان سعة علم الله تعالى وأنه تعالى متكلم وكلماته لا تنفد بحال من الأحوال.
5- بيان أن ما أوتيه الإنسان من علوم ومعارف ما هو بشيء إلى علم الله تعالى.
6- بيان قدرة الله تعالى وأنها لا تحد ولا يعجزها شيء.
7- إثبات صفات الله كالعزة والحكمة والسمع والبصر.
8- تقرير التوحيد وإبطال الشرك بذكر الأدلة المستفادة من مظاهر قدرة الله وعلمه ورحمته وحكمته. 9- فضيلة الصبر والشكر والجمع بينهما خير من افتراقهما.
10- بيان أن المشركين أيام نزول القرآن كانوا يوحدون في الشدة ويشركون في الرخاء.
11- شر الناس الختّار أي الغدار الكفور.
12- ذم الختر وهو أسوأ الغدر وذم الكفر بالنعم الإلهية.

- الأمر بتقوى الله، وبيان مفاتيح الغيب: ( الآيات: 32 – 33 ).
يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ وَاخْشَوْا يَوْمًا لَّا يَجْزِي وَالِدٌ عَن وَلَدِهِ وَلَا مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَن وَالِدِهِ شَيْئًا إِنَّ وَعْدَ اللَّـهِ حَقٌّ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُم بِاللَّـهِ الْغَرُورُ ﴿32﴾ إِنَّ اللَّـهَ عِندَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَّاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّـهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ ﴿33﴾ .
- اللغة:
[الغرور] ما يغر ويخدع من شيطان وغيره ، وغره الأمل : خدعه .
- المناسبة :
بعد ذكر دلائل التوحيد من أول السورة إلى آخرها ، أمر اللّه تعالى بتقوى اللّه والخوف منه ، والخشية من يوم القيامة ، لأنه تعالى لما كان واحدا أوجب التقوى البالغة ، وأنذر الناس يوم المعاد ، وأخبر بأنه حق كائن ، ثم أردفه ختاما للسورة ببيان ما استأثر اللّه بعلمه ، وهي مفاتح الغيب الخمسة ، لأنه بعد هذا الإنذار كأن قائلا قال : فمتى يكون هذا اليوم ؟ فأجيب بأن العلم بهذه الأمور لا يحصل لغير اللّه ، ولكن يوم المعاد كائن لا بد منه ، وإن لم يعلم الناس وقته ، واللّه قادر عليه.
- تفسير معاني الآيات:
يأيها النَّاس أَيْ أَهْل مَكَّة اتَّقُوا رَبّكُمْ وَاخْشَوْا يوما لا يجزئيُغْنِي وَالِد عَنْ وَلَده فِيهِ شَيْئًا وَلَا مَوْلُود هُوَ جَازٍ عَنْ وَالِده فِيهِ شَيْئًا إنَّ وَعْد اللَّه حَقّ بِالْبَعْثِ فَلَا تَغُرَّنكُمْ الْحَيَاة الدُّنْيَا عَنْ الْإِسْلَام وَلَا يَغُرَّنكُمْ بِاَللَّهِ فِي حِلْمه وَإِمْهَاله الْغَرُور الشَّيْطَان.
إنَّ اللَّه عِنْده عِلْم السَّاعَة مَتَى تَقُوم وينزل الغيث بِوَقْتٍ يَعْلَمهُ وَيَعْلَم مَا فِي الْأَرْحَام أَذَكَر أَمْ أُنْثَى وَلَا يَعْلَم وَاحِدًا مِنْ الثَّلَاثَة غَيْر اللَّه تَعَالَى وَمَا تَدْرِي نَفْس مَاذَا تَكْسِب غَدًا مِنْ خَيْر أَوْ شَرّ وَيَعْلَمهُ اللَّه تَعَالَى وَمَا تَدْرِي نَفْس بِأَيِّ أَرْض تَمُوت وَيَعْلَمهُ اللَّه تَعَالَى إنَّ اللَّه عَلِيم بِكُلِّ شَيْء خَبِير بِبَاطِنِهِ كَظَاهِرِهِ.
- سبب النزول: عن قتادة قال قال المشركون إنما هذا كلام يوشك أن ينفذ فنزل ولو أن ما في الأرض الآية .
و عن مجاهد قال جاء رجل من أهل البادية فقال إن امرأتي حبلى فأخبرني بما تلد وبلادنا مجدبة فأخبرني متى ينزل الغيث وقد علمت متى ولدت فأخبرني متى أموت فأنزل الله
إنَّ اللَّه عِنْده عِلْم السَّاعَة.

و عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : مفاتيح الغيب خمسة لا يعلمهم إلا الله تعالى لا يعلم متى تقوم الساعة إلا الله ولا يعلم: ما تغيض الأرحام إلا الله ولا يعلم ما في غد إلا الله ولا يعلم بأي أرض تموت إلا الله ولا يعلم متى ينزل الغيث إلا الله. رواه البخاري.
- من هداية الآيات:
1- وجوب تقوى الله بالإيمان به وتوحيده في عبادته.
2- تقرير عقيدة البعث والجزاء.
3- التحذير من الاغترار بالحياة الدنيا، والتحذير من الشيطان أي من اتباعه والاغترار بما يزينه ويحسنه من المعاصي.
4- بيان مفاتح الغيب الخمسة واختصاص الرب تعالى بمعرفتها.
5- كل مدع لمعرفة الغيب من الجن والإنس فهو طاغوت يجب لعنه ومعاداته.
6- ما ادّعي اليوم من أنه بواسطة الآلات الحديثة قد عرف ما في رحم المرأة فهذه المعرفة ليست داخلة في قوله تعالى:ويعلم ما في الأرحام لأنها بمثابة من فتح البطن ونظر ما فيه فقال هو كذا وذلك لوجود أشعة عاكسة أما المنفي عن كل أحد إلا الله أن يقول المرء: إن في بطن امرأة فلان ذكراً أو أنثى ولا يقرب منها ولا يجرّبها في ولادتها السابقة، ولا يحاول أن يعرف ما في بطنها بأية محاولة.

تم بحمد الله

تفسير مبسط لسورة لقمان . مستمد من تفسير الجلالين, وتفسير التسهيل لابن جزي, وتفسير المحرر الوجيز لابن عطية, وتفسير ابن كثير, وتفسير زاد المسير لابن الجوزي, والتفسير المنير للزحيلي, وصفوة التفاسير للصابوني, وايسر التفاسير لابي بكر جابر الجزائري .

تفسير فواتح سورة البقرة في ضوء عبادة الدعاء

بسم الله الرحمن الرحيم
تفسير فواتح سورة البقرة في ضوء عبادة الدعاء[1]

ومن أسمائها سنام القرآن، لقول رسول الله ﷺ:«لكل شيء سنام وسنام القرآن سورة البقرة »[2]. وفي هذا الإسم نكتة وهي تتجلى في المناسبة بين تسمية سورة البقرة بسنام القرآن، وتسمية سورة الفاتحة بالصلاة، وفي الحديث قال رسول الله ﷺ:« رأس الأمر الإسلام وعموده الصلاة وذروة سنامه الجهاد في سبيل الله[3] »[4]. ولغة العمود هو ما يستند إليه ويقوم عليه الشيء ويرتفع، أما السنام فهو أعلى الشيء وما ارتفع عن الأرض، فيلزم من هذا أن يكون العمود سابقا في الوجود، والسنام لاحق له مبني عليه.
ويكفي دليلا على ذلك المشاهدة، فعمود بطن البعير (الإبل) سابق في الوجود، وسنامه لاحق له مبني عليه في مرحلة الخلق والتكوين الجنينية. والنكتة في كل هذا هي أن سورة الفاتحة المسماة بالصلاة والتي هي جزء من الصلاة – عمود الإسلام - ولا صلاة بغيرها سابقة في النزول بمكة، وسورة البقرة المسماة بسنام القرآن لاحقة لها في النزول بالمدينة وعليه فهذه إشارة لطيفة نستأنس بها على ما سبق وأن ذهبنا إليه عند قولنا أن سورة الفاتحة نزلت بمكة، قبل نزول سورة البقرة بالمدينة والله أعلم.
والمناسبة بين خواتيم سورة الفاتحة وفواتح سورة البقرة هو أنه لما قال العبد بتوفيق ربه:﴿ اهدنا الصراط المستقيم[5]،قيل له:﴿ ذلك الكتاب لاريب فيه هو مطلوبك وفيه أربك، وهو:﴿ الصراط المستقيم و ﴿ هدى للمتقين. وفي مناسبة سباق وسياق هذه الآيات وأجواؤها نقل أن بعد هجرة محمد صار الناس ثلاثة أقسام: قسم مؤمن وهم الذين آمنوا به ظاهرا وباطنا، وقسم كافر وهم الذين أظهروا الكفر به، وقسم منافق وهم الذين آمنوا به ظاهرا وكفروا به باطنا. ولهذا افتتح الله سورة البقرة بأربعة آيات في صفة المؤمنين، وآيتين في صفة الكافرين، وثلاث عشرة آية في صفات المنافقين. ولقد اتفق العلماء على أن أول ما نزل بالمدينة سورة البقرة، واختلفوا في سورة الفاتحة هل هي مكية أو مدنية ؟ ومن مضمون السورتين يتبين أن سورة الفاتحة مكية[6] باعتبارها دعاء، وعلى أن فواتح سورة البقرة استجابة لهذا الدعاء، مع العلم أن فواتح سورة البقرة من أول ما نزل بالمدينة على الإطلاق قطعا، وفي هذا ايحاء على أن ترتيب السورتين في المصحف موقوف على النقل لا توفيق من العقل.
وفي قوله تعالى:﴿ آلم ﴾، ألف حرف ولام حرف وميم حرف، وهي من حروف الهجاء التي افتتح الله بها بعض سور القرآن. أما المراد بها ومعناها فقيل في ذلك إنها من متشابه القرآن الذي لا يعلمه إلا الله تعالى. وهذا القول لم يرضه كثيرون بناء على القاعدة الأصولية في تفسير النصوص التي تنص على أنه: لا يجوز ورود ما لا معنى له في الكتاب. وعليه قيل هذه الحروف تقرأ مقطعة، وتصدير سورة البقرة بهذه الحروف الهجائية يجذب أسماع المعرضين عن هذا القرآن، إذ يطرق أسماعهم لأول وهلة ألفاظ غير مألوفة في تخاطبهم فينتبهوا إلى ما يلقى إليهم من آيات بينات، كما تأتي لتنبيه على ما يأتي مباشرة بعدها من ما يذكر فيها من وصف للقرآن والإنتصار له والإشارة إلى عظمته وبيان إعجازه تبكيتا للمعاندين وتسجيلا لعجزهم عن المعارضة، وهذا القول أيضا لم يرضه كثيرون بناء على القاعدة الأصولية في التفسير التالية: الإفادة أولى من الإعادة. إذ هذا القول يتكرر في كل موضع افتتح بهذه الحروف، فقالوا يحتمل أن يكون لها معان أخرى يجدها من يفتح الله عليه بالتأمل والنظر أو هبة من لدنه سبحانه، فنقول والله أعلم عالمين أننا لسنا منهم لكن متفيئين في ظلهم وبناء على القاعدتين الأصوليتين التاليتين في التفسير قاعدة: اعمال الكلام أولى من اهماله، وقاعدة التأسيس أولى من التأكيد.اعلم أن الله تعالى افتتح سور القرآن بعشرة أنواع من الكلام لا يخرج شيء من السور عنها، الأول الثناء عليه تعالى، والثناء بدوره قسمان يعنينا منه القسم الأول، وهو اثبات لصفات المدح، كما مر بيانه في مفتتح سورة الفاتحة ﴿ الحمد لله ﴾. والثاني من الأنواع العشرة حروف التهجي، كما في مستهل سورة البقرة ﴿ آلم ﴾. وبين مطلع السورتين مناسبة لطيفة وهي أننا من جملة النعم التي نحمد الله عليها في قولنا:﴿ الحمد لله في سورة الفاتحة، نعمت أنزال القرآن لقوله تعالى:﴿ الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب ﴾، والكتاب من أسماء القرآن الذي نتعبد بتلاوته فينعم الله علينا بالأجر والثواب لقراءته، لقول رسول الله ﷺ:« من قرأ حرفا من كتاب الله فله به حسنة والحسنة بعشر أمثالها لا أقول آلم حرف ولكن ألف حرف ولام حرف وميم حرف »[7]. فقوله تعالى:﴿ آلم ﴾، تذكير بنعمه على عباده لقوله تعالى:﴿ آلم تنزيل الكتاب لا ريب فيه من رب العالمين .
وفي قوله تعالى:﴿ ذلك الكتاب ﴾، إشارة إلى القرآن، باستعمال اسم الإشارة للبعيد، لإظهار رفعته شأن هذا القرآن، لجعله بعيد المنزلة. والإشارة إلى الكتاب كله عند نزول بعضه إشارة إلى أن الله تعالى منجز وعده للنبي بإكمال الكتاب كله.
وقوله تعالى:﴿ لا ريب فيه ﴾، المعنى أن ذلك الكتاب مبرأ من وصمات العيب، فلا شك فيه لا من جهة كونه من عند الله تعالى، وحاصله أنه كذلك في كل من نظمه وأسلوبه وبلاغته ولا من جهة معانيه وعلومه، وتأثيره في الهداية لا يمكن أن توجه إليه شبهة أو تحوم حوله ريبة.
وأما قوله تعالى:﴿ هدى للمتقين ﴾، فالمراد بالهداية هنا الدلالة على الصراط المستقيم مع المعونة الخاصة والأخذ باليد، والتقوى هنا يقصد بها اتقاء الله تعالى تعظيما لأمر عذابه وعقابه، والتقوى قسمان، وأسباب العقاب الإلهي نوعان:الأول اتقاء الله في الآخرة بعدم مخالفة دينه وشرعه.والثاني اتقاء الله في الدنيا بعدم مخالفة سننه في نظام خلقه. والمتقون في هذه الآية هم مشركون أسلموا وكان القرآن هدى لهم، فاتقوا عاقبة الشرك فآمنوا.
وفي قوله تعالى:﴿ الذين يؤمنون بالغيب ﴾، وصفهم بالإيمان بالغيب بعد أن كانوا يكفرون بالبعث والجزاء والمعاد، لأن الإيمان بما غاب عن إدراك الحواس هو الأصل في الإعتقاد بإمكان ما تخبر عنه الرسل عن وجود الله تعالى والعالم العلوي.
وفي قوله تعالى:﴿ ويقيمون الصلاة ﴾، الصلاة هنا هي الأقوال والأفعال المفتتحة بالتكبير والمختتمة بالتسليم، وإقامتها معناه المواظبة عليها والعناية بها.
وفي قوله تعالى:﴿ ومما رزقناهم ينفقون ﴾، يفهم منها أن الرزق من الله فيجب أن يصرف في طاعة الله، والتقرب إلى الله بالمال يكون ببعض ما يملك الإنسان لا كل ما يملك. واتفق الجمهور أن الآية عامة تشمل سائر وجوه النفقات فيما يرضي الله من النفقة الواجبة على الأهل والولد وذوي القربى وصدقة التطوع والزكاة وفي سائر وجوه البر والإحسان. وقيل الآية لا تشمل الزكاة لأنها نزلت قبل فرض الزكاة المعينة، والإنفاق أريد به هنا بثه في نفع الفقراء وأهل الحاجة وتسديد نوائب المسلمين، بقرينة المدح واقترانه بالإيمان والصلاة، فلا شك أنه هنا خصلة من خصال الإيمان الكامل، وما هي إلا الإنفاق فئ سبيل الخير والمصالح العامة، إذ لا يمدح أحد بإنفاقه على نفسه وعياله، إذ ذلك مما تدعو إليه الجبلة فلا تعني الآية بالتحريض عليه هنا. لأن الإيمان لما كان مقره القلب ومترجمه اللسان كان محتاجا إلى دلائل صدق صاحبه وهي عظائم الإعمال، ومن ذلك ملازمة فعل الصلاة لأنها دليل على تذكر المؤمن من آمن به، ومن ذلك السخاء ببذل المال للفقراء امتثالا لأمر الله بذلك. وإنما اختير ذكر هذه الصفات لهم دون غيرها لأنها أول ما شرع من الإسلام فكانت شعار المسلمين وهي الإيمان الكامل، وإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة هما أقدم المشروعات.
وفي قوله تعالى:﴿ والذين يؤمنون بما أنزل إليك ﴾، هذه الطبقة الثانية من المتقين وهم مسلموا أهل الكتاب، وهذه الطبقة أرقى من الطبقة الأولى، لأن أوصافها تقتضي الأوصاف التي أجريت على تلك وزيادة، فالقرآن يكون هدى لها بالأولى. والمراد من لفظ الإنزال ما ورد من جانب الربوبية الرفيع الأعلى، وأوحى إلى العباد من الإرشاد الإلهي الأسمى، والمعنى المراد الإيمان التفصيلي بكل ما أنزل الله تعالى في القرآن.
وأما قوله تعالى:﴿ وما أنزل من قبلك ﴾، فيكفي فيه الإيمان الإجمالي.
وفي قوله تعالى:﴿ وبالآخرة هم يوقنون ﴾، فقد خصهم بهذا الوصف من بين باقي الأوصاف لأنه ملاك التقوى فإن علم اليقين بدار الثواب والعقاب يوجب اتقاء العذاب، وذلك الذي ساقهم إلى الإيمان بالنبي . وقيمة هذه الصفة هي الشعور بوحدة البشرية ووحدة دينها ووحدة رسلها ووحدة معبودها دون تعصب ديني، وقيمتها الإطمئنان إلى رعاية الله للبشرية على مر الأجيال، هذه الرعاية الظاهرة في توالي الرسل والرسالات بدين واحد وهدى واحد، واليقين بالغيب وبالآخرة هو الفرق بين من يعيش سجين إدراك حواسه، ومن يعيش حر طليق من الماديات.
وقوله تعالى:﴿ أولئك على هدى من ربهم وأولئك هم المفلحون ﴾، إن السامع إذا سمع ما تقدم من صفات الثناء عليهم من التقوى وإيمان وصلاة وإنفاق ترقب فائدة تلك الأوصاف وهي الهدى والفلاح الذي هو الظفر وإدراك البغية في الدنيا والآخرة. والإشارة ﴿ أولئك لقصد التنويه بتلك الصفات المشار إليها من تقوى وإيمان وصلاة وإنفاق، وبما يرد بعد اسم الإشارة ﴿ أولئك من الحكم الناشئ عنها هدى وفلاح. وإنما وصف ﴿ الهدى بأنه ﴿ من ربهم للتنويه بذلك الهدى وتشريفه، مع الإشارة بأنهم بمحل العناية بشأن المتقين. وجيء بالضمير ﴿ هم ليفيد الحصر، فهم المفلحون لا غيرهم من المغضوب عليهم أو الضالين.

تم بحمد الله

[1] نقلا عن كتابنا الدعاء في ضوء القرآن وعلم النفس – غير مطبوع -.
[2]الراوي: عبدالله بن مسعود، المحدث:الألباني، المصدر:السلسلة الصحيحة، حكم المحدث:إسناده حسن.
[3] الراوي: معاذ بن جبل، المحدث: الترمذي، المصدر: سنن الترمذي، الصفحة2616 ، حكم المحدث: حسن صحيح.
[4]لا تعارض بين الحديثين لأن الأمر كما قال النبي الصادق ﷺ:« لكل شيء سنام »، فسنام الإسلام هو الجهاد في سبيل الله، وسنام القرآن سورة البقرة.
[5]( بسم الله الرحمن الرحيم ) و ( الحمد لله ) على نعمه المنزلة من السموات والخارجة من الأرض,( رب العالمين ) من الجن والإنس,( الرحمن ) بمؤمنهم وكافرهم,( الرحيم ) بعباده المؤمنين يوم الحساب,( ملك يوم الدين ) يوم الحساب والعقاب الذي توجب خشيته اتقاءه بمطابقة عملنا لقولنا,( إياك نعبد ) ونتوسل إليك بعبادتنا لك وحدك إلى استجابة دعائنا إياك وحدك,( وإياك نستعين ) على طلب الهداية إلى الدين الحق بسؤلنا لك وحدك,( اهدنا الصراط المستقيم ) وثبتنا على الطريق الموصلة إليك ولا تزغ قلوبنا بعد أن هديتنا حتى لا نضل كالنصارى ولا تغضب علينا كاليهود, فاهدنا إلى ( صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين,( آمين يا رب العالمين.
[6]يؤكد ما ذهبنا إليه قوله تعالى:﴿ ولقد اتيناك سبعا من المثاني ﴾ (سورة الحجر- الآية: 87 )، وهي مكية اجماعا. وقد روى أبو هريرة قال:« قال رسول الله ﷺ ﴿ الحمد لله رب العالمين ﴾ أم القرآن وأم الكتاب والسبع المثاني والقرآن العظيم » رواه الترمذي وصححه.
[7] الراوي: عبد الله بن مسعود، المحدث: الألباني، المصدر:صحيح الترمذي، الصفحة2910 :، حكم المحدث: صحيح.

تفسير المعوذتين


قراءة في كتاب: البرهان لابن الزبير..

لقد قامت عدة دراسات رائدة على أساس إعجاز القران ولكن ما تداركه الفقيه "أبو جعفر أحمد بن إبراهيم بن الزبير الغرناطي ( 627 هـ / 708 هـ )" على سابقيه هو دراسة العلاقة بين سور القرآن الكريم في كتابه القيم "البرهان في ترتيب سور القرآن"، ولئن جاء ترتيب سور القرآن بين دفتي المصحف على خلاف ترتيب نزول القرآن منجما في عهد التنزيل، فإن هذا ما حذا بابن الزبير الغرناطي أن يحاول الإجابة عن كيفية ترتيب القرآن الكريم هل كان بتوقيف من الشارع أم توفيقا، أي أنه كان عملا من أعمال الصحابة ليس إلا ؟ وإن كان مسبوقا في إثارة هذه المسألة، فإن جهود من سبقه من القدماء كانت لصيقة بكتب علوم القرآن الموسوعية وكذا بكتب التفسير ومتناثرة في ثناياهما. ولهذا يعد ابن الزبير سباقا بحق في تفسيره الموضوعي في علم المناسبة إلى وضع مصنف مستقل يتناول علم أسرار ترتيب السور، مبينا وجها جديدا من وجوه إعجاز القرآن وهو مدى ما في ترتيب سورة من ترابط وتناسب معجز. فكان إماما بحق لمن جاء بعده من المتأخرين في هذا الفن، فكل متأخر يحاول الإقتداء به والإقتباس من كتابه الأصيل. ونقتطف من درر قوله في مصنفه قوله في وجه المناسبة بين سورتي الفيل وقريش إذ قال:« لا خفاء باتصالهما أي أنه تعالى فعل ذلك بأصحاب الفيل ومنعهم عن بيته وحرمه لانتظام شمل قريش وهم سكان الحرم وقطان بيت الله وليؤلفهم بهاتين الرحلتين فيقيموا بمكة وتأمن ساحتهم ». ونظرا لقيمة الكتاب وأصالته قام الأستاذ محمد شعباني[1] بدراسته وتحقيقه لنيل دبلوم الدراسات الإسلامية العليا من دار الحديث الحسنية، واعتنت وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية بالمملكة المغربية بطبعه.

[1]اقتبسنا من مقدمته هذه الأسطر.

شرح منظومة جواهر البيان في تناسب سور القرآن

شرح منظومة
جواهر البيان في تناسب سور القرآن[1]
لعبد الله الغماري

قال الناظم:[2]
1. علم التناسب للسورعلم جليل ذو خطر

2. قد قل فيه الكاتبون كما قد عز المستطر

3. وابن الزبير في برهانه قد كان أول من سطر

4. إذ جاء فيه مجليا يتلوه بحر قد زخر

5. أعف السيوطي الذي كتب التناسق للدرر

6. وكتب مثل كتابهم بحثا يؤيده النظر

7. أعملت فيه قريحتي واخترت أنسب الفكر

8. وفتحت بعض المغلقات من آي الكتاب ومن الغرر

9. وأتيت من عين المسا ئل بالبدائع والغرر

10. ألهمت من فيض الإله بفيض فضل مدخر

11. حمدا لواهب فضله وله التطول إذ ستر

12. وصلاته دوما على خير البرية من مضر

الشرح والبيان:
قال الشيخ عبد الله الغماري، في موضوع علم التناسب بين السور:
( علم التناسب للسور ) أي علم تناسب سور القرآن، هو أحد أنواع التناسب القرآني. وعرف بأنه علم يعرف منه مقاصد السور، وهو أنواع بدوره. وهو ( علم جليل ) فهذا العلم في غاية النفاسة، وهو أدق العلوم أمرا، وأخفاها سرا، وأعلاها قدرا، لأنه ( ذو خطر ) فهو علم تعرف منه علل الترتيب، وذلك لئلا يبدو كلام الله منفصلا، وهو أمر يحتمه الإعتقاد الجازم بتنزيه كلام رب العالمين عن المشابهة لكلام العرب في الإقتضاب، الذي هو الإنتقال إلى غير الملائم، ناهيك عن التناقض مصداقا لقوله : أفلا يتدبرون القرآن ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا [النساء-82].
وهو علم ( قد قل فيه الكاتبون ) لقلة اعتناء المفسرين بهذا النوع لدقته. ( كما قد عز المستطر ) أي المكتوب، فلأجل ذلك كانت المناسبة علما عزيزا، وفي هذا قال الإمام الرازي في تفسير سورة البقرة:« إني رأيت جمهور المفسرين معرضين على هذه اللطائف غير منتبهين لهذه الأسرار، وليس الأمر في هذا الباب إلا كما قيل:
والنجم تستصغر الأبصار صورته والذنب للطرف لا للنجم في الصغر» ويحتمل أن يكون المراد أن علم المناسبة علم شريف، وفي هذا قال الإمام الرازي في تفسيره الكبير مفاتيح الغيب:« أكثر لطائف القرآن مودعة في الترتيبات والروابط ». ( وابن الزبير ) وهو أبو جعفر أحمد بن إبراهيم بن الزبير الغرناطي ( ت807 هـ )، شيخ ابن حيان صاحب تفسير البحر المحيط ،( في برهانه ) أي كتابه المسمى البرهان في ترتيب سور القرآن الذي اعتنى فيه بوجه المناسبة بين السور، ( قد كان أول من سطر ) مصنفا أفرده لعلم المناسبات بين السور في كتاب مستقل باتفاق كلمة العلماء على ذلك. ( إذ جاء فيه مجليا ) لأسرار ترتيب السور بين دفتي المصحف، مبينا ما في ترتيب سور القرآن من ترابط وتناسب معجز. ( يتلوه ) في مثل صنيعه ( بحر قد زخر ) علما لكثرة مؤلفاته ( أعف ) الله[3] الحافظ جلال الدين عبد الرحمن ( السيوطي ) المتوفي سنة 911 هـ ( الذي ) كثر منه وتكلف ف(كتب التناسق للدرر ) في تناسب القرآن وهو جزء لطيف لخص فيه مناسبات السور خاصة من كتابه أسرار التنزيل والمسمى أيضا قطف الأزهار وكشف الأسرار. ( وكتب ) عبد الشيخ الله بن الصديق الغماري الحسني الإدريسي صاحب النظم ( مثل كتابهم ) السابقة الذكر ( بحثا ) سماه جواهر البيان في تناسب سور القرآن، ( يؤيده النظر ) في توجيه المناسبة بين الآيات والسور، وأما مصادره فيه فالنظر والتفكر والتدبر لآي القرآن كما قال ( أعملت فيه قريحتي واخترت أنسب الفكر ) وذلك لما حباه الله به من مقدرة ذاتية على التماس أوجه التشابه والترابط والتناسب بين السور، وهي قدرة ذاتية تحتاج إلى استعداد ذاتي لإستمداد هذا العلم، مما يحتاج إلى مزيد فكر وتأمل فكان علما تحرز به العقول، ويعرف به قدر القائل فيما يقول. وأما منهجه فيه فيقول في ذلك (وفتحت بعض المغلقات من آي الكتاب ومن الغرر، وأتيت من عين المسائل بالبدائع والغرر ) كما (ألهمت من فيض الإله بفيض فضل مدخر ) فما علمه في المناسبات إلا من لدن الله يرد إلى ذهنه على صورة فيوضات واشراقات تهز الفكر هزا وتمس الروح مسا. ( حمدا ) لله ( لواهب فضله، وله التطول إذ ستر. وصلاته دوما على) نبينا محمد ( خير البرية من مضر ).

تم بحمد الله

[1]الناظم لم يسمي نظمه فاقترحنا تسميته على اسم الكتاب المقتطفة منه.
[2] جواهر البيان في تناسب سور القرآن, لعبد الله الغماري, ط. مكتبة القاهرة, طبعة عذراء, انظر اول صفحة في الكتاب قبل المقدمة..
[3]دعاء.

الإجتهاد:(تعريفه، الفرق بينه وبين القياس، أقسامه وأنواعه، مجاله، شروطه)

المطلب الأول تعريف الإجتهاد:

1. الإجتهاد لغة:
أ - الإجتهاد في اللغة: معناه بذل غاية الجهد واستفراغ الوسع في الوصول لتحقيق أمر من الأمور أو فعل من الأفعال، ولا يستعمل إلا فيما يكون فيه حرج ومشقة ويستلزم كلفة وجهدا فيقال: اجتهد فلان في حمل حجر الرحى ولا يقال اجتهد في حمل خردلة[1]. ثم صار هذا اللفظ في عرف العلماء مخصوصا ببذل الفقيه المجتهد وسعه في طلب العلم بأحكام الشريعة[2].
ب - الإجتهاد في القرآن: الجَهْدُ والجُهْد: الطاقة والمشقة، وقيل: الجَهْد بالفتح: المشقة، والجُهْد: الوسع. وقيل: الجهد للإنسان، وقال تعالى: وَالَّذِينَ لا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ [التوبة/ 79] ، وقال تعالى: وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ [النور/ 53] ، أي: حلفوا واجتهدوا في الحلف أن يأتوا به على أبلغ ما في وسعهم. والاجتهاد: أخذ النفس ببذل الطاقة وتحمّل المشقة، يقال :جَهَدْتُ رأيي وأَجْهَدْتُهُ: أتعبته بالفكر[3].
ج - الإجتهاد في الحديث: وَفِي حَدِيثِ مُعَاذٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ «أَجْتَهِد رَأيي» الاجْتِهَاد: بَذْل الوُسْع فِي طَلَب الْأَمْرِ، وَهُوَ افْتِعَال مِنَ الجُهْد: الطَّاقة. والمرادُ بِهِ: رَدّ القَضِيَّة الَّتي تَعْرض لِلْحَاكِمِ مِنْ طَرِيق القِياس إِلَى الْكِتَابِ والسُّنَّة. وَلَمْ يُرِدِ الرَّأي الَّذِي يَراه مِنْ قِبَل نَفْسِه مِنْ غَيْر حَمْل عَلَى كِتَاب أَوْ سُنَّة.[4]
2. الإجتهاد اصطلاحا:
للإجتهاد تعريفات كثيرة تؤول بمجموعها إلى أنه استفراغ الجهد في استنباط القضايا الدينية، شرعية أو عقدية، وعقلية أو نقلية، وقطعية أو ظنية، من أدلتها التفصيلية. والمدلول اللغوي في هذا التعريف منسجم كل الإنسجام مع الإصطلاح الديني الخالص[5].
ورغم كثرة تعاريف الإجتهاد اصطلاحا إلا أنه بعد السبر والتقسيم يمكن ارجاعها إلى اثنين بعد مراعاة اختلاف اللفظ واتفاق القصد.
أ - التعريف الأول لعلماء الأصول المتقدمين مخصوص باستفراغ الفقيه وسعه في تحصيل /إدراك العلم[6] أو الظن[7] بشيء من الأحكام الشرعية[8] على وجه يحس المجتهد من نفسه بالعجز عن طلب المزيد فيه[9].
ب - التعريف الثاني عند الأصوليين المعاصرين عبارة عن عملية بذل الجهد العقلي لاستخراج /استنباط أحكام الفروع العملية من أدلتها التفصيلية في الشريعة[10].
ج - شرح وتخريج التعريف الأول للإجتهاد في اصطلاح الأصوليين المتقدمين:
قولهم ( استفراغ الفقيه وسعه ) كالجنس للمعنى اللغوي والأصولي، وما بعده خواص مميزة للإجتهاد بالمعنى الأصولي[11]. إن إضافة بذل الجهد إلى الفقيه قيد، يخرج بذل غير الفقيه كالنحوي أو المتكلم الذي لا فقه لـه فإنه لا يسمى اجتهاداً في الاصطلاح.
وقول بعضهم ( في تحصيل الظن ) احتراز عن الأحكام القطعية[12].
وقولهم ( بشيء من الأحكام الشرعية ) اخرج الإجتهاد في المعقولات والمحسوسات وغيرها[13].
وقول بعضهم ( على وجه يحس المجتهد من نفسه بالعجز عن طلب المزيد فيه ) هو شرط للإجتهاد التام عند القائلين به[14]، ليخرج به اجتهاد المقصر في اجتهاده مع إمكان الزيادة عليه، فإنه لا يعد في اصطلاح الأصوليين اجتهادا معتبرا[15].
د - شرح التعريف الثاني للإجتهاد في اصطلاح الأصوليين المحدثين:
قولهم ( بذل الجهد العقلي ) أي بدل المجهود في طلب المقصود من جهة الإستدلال[16]. بالنظر في علل النصوص ومقاصدها، ودراسة توفر الشروط والعلل في محل تنزيل الحكم الشرعي، الذي هو محاولة عقلية فكرية لتنزيل النص على واقع الناس، وهو جهد بشري قد يخطئ وقد يصيب[17].
وقولهم ( لاستنباط أحكام الفروع العملية ) أي لاستخراج الحكم الشرعي[18].
وقولهم ( من أدلتها التفصيلية ) أي مما اعتبره الشارع دليلا وهو الكتاب وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم[19].
وهذا التعريف باعتبار الإجتهاد بالرأي، أو الرأي بالتخصيص، هو بدل الفقيه جهده العقلي للتوصل إلى الحكم في واقعة لا نص فيها، وذلك بالتفكر السليم واستخدام الوسائل التي هدى الشرع إليها للإستنباط فيما لا نص فيه.


المطلب الثاني الفرق بين الإجتهاد والقياس:

بعد أن خلصنا إلى أن تعريف الإجتهاد اصطلاحا لا يعدو كونه تنوع في العبارة ولا مشاحة في الاصطلاح نبين الفرق بين الإجتهاد والقياس.
1. من أوجه الشبه والاتفاق بين الإجتهاد والقياس:
إن كل واحد منهما يتوصل به إلى حكم شرعي.
إنهما يشتركان في أن كلاً منهما لابد لـه من أصل.
إنهما يشتركان في التسمية الاجتهاد، إذ يطلق على القياس اجتهاد.
2. الخلاف في الفرق بين القياس والاجتهاد:
اختلف العلماء في القياس والاجتهاد هل هما بمعنى واحد أم هما مختلفان؟ في ذلك للعلماء قولان:
أ - القول الأول: إن الاجتهاد يفترق عن القياس، وهذا ما ذهب إليه الغزالي في المستصفى.
قال: ( وَقَالَ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ: الْقِيَاسُ هُوَ الِاجْتِهَادُ. وَهُوَ خَطَأٌ؛ لِأَنَّ الِاجْتِهَادَ أَعَمُّ مِنْ الْقِيَاسِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَكُونُ بِالنَّظَرِ فِي الْعُمُومَاتِ، وَدَقَائِقِ الْأَلْفَاظِ ، وَسَائِرِ طُرُقِ الْأَدِلَّةِ سِوَى الْقِيَاسِ، ثُمَّ إنَّهُ لَا يُنْبِئُ فِي عُرْفِ الْعُلَمَاءِ إلَّا عَنْ بَذْلِ الْمُجْتَهِدِ وُسْعَهُ فِي طَلَبِ الْحُكْمِ، وَلَا يُطْلَقُ إلَّا عَلَى مَنْ يُجْهِدُ نَفْسَهُ، وَيَسْتَفْرِغُ الْوُسْعَ، فَمَنْ حَمَلَ خَرْدَلَةً لَا يُقَالُ اجْتَهَدَ، وَلَا يُنْبِئُ هَذَا عَنْ خُصُوصِ مَعْنَى الْقِيَاسِ، بَلْ عَنْ الْجَهْدِ الَّذِي هُوَ حَالُ الْقِيَاسِ[20] فَقَطْ ).
إن جمهور الأصوليين يذهبون إلى أن الإجتهاد أعم والقياس أخص فيكون الإجتهاد بذلك شاملا لكل الطرق التي يسلكها المجتهدون في استنباط الأحكام الشرعية من أدلتها التفصيلية، من قياس ومصالح مرسلة واستحسان...إلخ. في حين يكون القياس طريقا من طرق الإجتهاد.
ومما يعضد القول بالفرق بينهما تبويب الأصوليين في كتبهم لكل واحد منهما بباب خاص يتعلق به وبأحكامه، وهذا فيه دلالة على الفرق، وإلا لما كان لصنيعهم معنى وفائدة.
ب - القول الثاني: إن القياس هو الاجتهاد وهذا الرأي منقول عن ابن أبي هريرة، وقد حكاه عنه بعض العلماء، منهم الماوردي في أدب القاضي قال: "وزعم ابن أبي هريرة أن الاجتهاد هو القياس، ونسبه إلى الإمام الشافعي من كلام اشتبه عليه في كتابه الرسالة[21].
- سأله سائل - ( قال: فما القياس؟ أهو الاجتهاد؟ أم هما مفترقان؟
قلت: هما اسمان لمعنىً واحد.
قال: فما جِماعهما؟
قلت :كل ما نزل بمسلم فقيه حكم لازم، أو على سبيل الحقِّ فيه دلالةٌ موجودة، وعليه إذا كان فيه بعينه حكمٌ: اتباعُه، وإذا لم يكن فيه بعينه طُلِب الدلالة على سبيل الحق فيه بالاجتهاد. والاجتهادُ القياسُ ).
إن اصطلاح الشافعي في الاجتهاد قصره على غير المنصوص عليه، ولذلك سوى بين القياس والاجتهاد، لقد قصر الإمام الشافعي الإجتهاد على مفهوم خاص له. ولم يأخذ بالرأي المبني على الإستحسان أو المصلحة المرسلة[22]. وذكر للقياس وجهين: ( أحدهما: أن يكون الشيء في معنى الأصل، فلا يختلف القياس فيه. وأن يكون الشيء له في الأصول أشباهٌ، فذلك يُلحق بأولاها به وأكثرِها شَبَهاً فيه. وقد يختلف القايسون في هذا )[23].
وقد فُسر كلام الشافعي المتقدم بما يأتي:
_ إن لهما معنى واحداً، من حيث إن نتيجتهما واحدة، وهي أن كل واحد منهما يتوصل به إلى حكم غير منصوص.
_ إن الشافعي أراد المبالغة لأن القياس أهم مباحث الاجتهاد،
_ إن الإمام الشافعي لم يقل في تعريفه للاجتهاد بأنه قياس، بل إنه استدل في مواطن الاستشهاد على أنواع الاجتهاد بغير القياس.
_ إن الإمام الشافعي قد بوَّب في رسالته بباب للاجتهاد، وباب للقياس، فلو كان يرى أنها بمعنى واحد، لما كان لصنيعه معنى وفائدة.
الترجيح:
بناء على ما تقدم تظهر صحة القول بالتفريق بين الاجتهاد والقياس، وذلك لأن القول بالتسوية لم يعز لقائل بعينه، وقد نسبه البعض إلى ابن أبي هريرة، وقد استند إلى كلام الشافعي في رسالته ، وتقدم بيان مقصوده.
ثمرة الخلاف:
من سوى بين الاجتهاد والقياس من مثبتي القياس جوز أن يكون القياس بغير أصل، والصحيح أنه لابد لـه من أصل، لأن الفروع لا تتفرع إلا عن الأصول.

المطلب الثالث أقسام الإجتهاد وأنواعه[24]:

بناء على تعريف الإجتهاد بأنه عبارة عن عملية بذل الجهد العقلي إما لاستخراج /استنباط أحكام الفروع العملية من أدلتها التفصيلية في الشريعة وإما في تطبيقها. فإن الإجتهاد على هذا التعريف قسم إلى قسمين وثلاثة أنواع:
- قسم محمد أبو زهرة الإجتهاد في أصوله إلى قسمين وهما:
1. القسم الأول: - اجتهاد - خاص باستنباط الأحكام وبيانها...، وهو- الإجتهاد -الكامل، وهو خاص بطائفة من العلماء الذين اتجهوا إلى تعرف أحكام الفروع العملية من أدلتها التفصيلية...، - و – هذا النوع من الإجتهاد الخاص، قد ينقطع في زمان من الأزمنة وهو قول الجمهور أو على الأقل طائفة كبيرة من العلماء، وقال الحنابلة إن هذا النوع من الإجتهاد لا يخلو عصر منه فلا بد من مجتهد يبلغ هذه المرتبة.
- وهذا القسم من الإجتهاد جعله محمد الخضري بك نوعين:
أ - النوع الأول: هو أخذ الحكم من ظواهر النصوص، إذا كان محل الحكم مما تتناوله تلك النصوص.
ب - والنوع الثاني: أخذ الحكم من معقول النص، بأن كان للنص علة مصرح بها أو مستنبطة ومحل الحادثة مما يوجد فيه تلك العلة والنص لا يشمله وهذا هو المعروف بالقياس أو الرأي[25].
2. القسم الثاني: - اجتهاد – خاص بتطبيقها ( أي الأحكام )، – و – اتفق العلماء على أنه لا يخلوا منه عصر من العصور، وهؤلاء هم علماء التخريج[26] وتطبيق العلل المستنبطة على الأفعال الجزئية... تحقيق المناط [27].
ج - وهذا القسم جعله محمد الخضري بك نوعا ثالثا إذ قال: وهناك نوع ثالث من الإجتهاد، وهو تحقيق المناط [28]، وهو أن يعرف الحكم وعلته ثم يراد تحقيق استيفاء الأشخاص لذلك المناط[29] حتى تعطى الحكم المنوط بها شرعا[30].
ومن أهم المظاهر في هذا العمل الإجتهادي في التنزيل الذي سماه الشاطبي في الموافقات الإجتهاد لتحقيق المناط ما يأتي بيانه:
- الإجتهاد في تحقيق النوع: إن الحكم الذي ينطوي عليه يتجه إلى أجناس الأفعال... ولذلك فإن التحقيق في هذه الأنواع اجتهاد مستمر باستمرار الحياة.
- الإجتهاد في تحقيق الأفعال المشخصة: وذلك لأن الفعل يقوم على جهة فاعله، وسبب دافع، وظرف مكاني، وظرف زماني، وهذه المعطيات لا يمكن أن تجتمع في أكثر من حادثة واحدة، لأنها ستفترق على الأقل في عنصر الزمان.
- تنزيل الأحكام: وهو حكم العقل بعد التحقيق بتعيين الحكم الشرعي الذي ينبغي أن يطبق على كل نوع من الأفعال، وكل فرد منها بعينه[31].

المطلب الرابع مجال الاجتهاد[32]:

1. ما لا يجوز الإجتهاد فيه:
كل حكم شرعي فيه دليل قطعي الثبوت والدلالة بالنصوص واجماع الأمة فصار من الأحكام المعلومة من الدين بالضرورة والبداهة فلا سبيل إلى الإجتهاد فيه. وينحصر اجتهاد العقل في فهمه في إدراك المعاني الدالة عليه واستيعابه وتمثله. كنصوص العقائد الأساسية الخمس، والعبادات، وأصول فضائل الأخلاق وأمهات القيم، والمحرمات اليقينية، والجرائم وعقوباتها، والمقدرات الشرعية، والكفارات، والمعاملات وغيرها، فهذه منصوص صراحة على أحكامها والقصد منها التعبد. فهي تمثل قسم الثبات والخلود في أحكام الشريعة على مر الأزمان لا تتغير ولا تعدل بموجب المصالح الإنسانية المتغيرة والمتطورة، لأنه ثبتت وتأكدت مصالحها المعتبرة بإجرائها على دوامها واستقرارها وثباتها.
2. ما يجوز الإجتهاد فيه:
- المجتهد فيه كل حكم شرعي ليس فيه دليل قطعي[33].
- وقيل مجال الإجتهاد هو كل حكم شرعي دليله ظني[34].
والأول أجود، لأنه أعم يشمل ما فيه نص ظني وما لا نص فيه. بينما التعريف الثاني أخص، لأنه يقتصر فقط على ما فيه نص ظني ولا يشمل ما لا نص فيه.
أ - محترزات التعريف الأول[35]:
- (كل حكم شرعي) تمييز له عن القضايا اللغوية وغيرها، وأخرجنا بشرعي كل القضايا العقلية والمسائل الكلامية، فإن الحق فيها واحد والمصيب واحد والمخطئ آثم.
- (ليس فيه دليل قطعي) تمييز له عما كان دليله فيها قطعيا، كالعبادت من وجوب الصلوات الخمس والزكاة ونحوها مما اتفقة عليه الأمة من جليات الشرع فيها أدلة قطعية يأثم فيها المخالف فليس ذلك من محل الإجتهاد. وإنما نعني بالمجتهد فيه ما لا يكون المخطئ فيه آثما، لأن المسائل الإجتهادية ما لا يعد المخطئ فيها آثم.
ب - ما فيه نص ظني الثبوت أو ظني الدلالة أو هما معا: فوجود النص لا يمنع الإجتهاد كما يتوهم البعض، فمعظم نصوص القرآن ظنية الدلالة.
- مجال الإجتهاد في النص الظني الثبوت هو اجتهاد العقل في التحقيق في نسبته النص إلى قائله بطريق من طرق النقد المعروفة في علم الحديث، كالبحث في سنده وطريق وصوله إلينا ودرجة رواته من العدالة والضبط .
- مجال الإجتهاد في النص الظني الدلالة هو اعمال العقل في تفهمه، إذ أنه يجتهد في البحث في معرفة المعنى المراد من النص وقوة دلالته على المعنى، فربما يكون النص عاما وقد يكون مطلقا وربما يرد بصيغة الأمر أو النهي، وقد يرشد الدليل على المعنى بطريق العبارة أو الإشارة أو غيرها. وقواعد اللغة ومقاصد الشريعة هي التي يلجئ إليها لترجيح وجهة عما عداها. أو قد يرجح نص على آخر عند تعارض النصوص في الظاهر.
ج - ما لا نص فيه أصلا – ولا اجماع -:[36]
I - يحتمل أن يكون معناه ما ليس فيه دليل شرعي نقلي من كتاب أو سنة صحيحة قط . وهو متروك لعقول المسلمين يشرعون له ما يناسب زمانهم ومكانهم في ضوء النصوص ومقاصد الشريعة العامة بالبحث عن حكمها بأدلة عقلية، كالقياس أو الإستحسان أو المصالح المرسلة أو العرف أو الإستصحاب أو غيرها من الأدلة المختلف فيها.
II - أو قد يراد به ما فيه دليل على وجه كلي عام، لأنه يتغير بعض التغير لمرونته وتطوره فنص عليه بإجمال دون تفصيل بما يضع المبادئ ويؤسس القواعد ويترك التفاصيل لإجتهاد عقول المسلمين. وهو ما يتعلق بجزئيات الأحكام وفروعها العملية وخصوصا في مجال السياسة الشرعية.

المطلب الخامس شروط الإجتهاد

شروط الإجتهاد[37] هي:
1 - العلم بمقاصد أحكام الشريعة على كمالها جملة وتفصيلا، لأن الإجتهاد في الحالات والنوازل التي ليس فيها نص خاص يعتمد أو يقاس عليه يكون المعول فيها على المصلحة التي تنبني عليها المقاصد.
2 - التمكن من الإستنباط من النصوص بناء على فهمه فيها، بمعرفة أدوات الإستنباط الأتية :
أ - العلم بالعربية والنحو: على وجه يتيسر له به فهم خطاب العرب، لأن الاستنباط من النصوص يحتاج إلى فهم أقوالها ونصوصها بمقتضى اللغة والاصطلاح الشرعي.
ب - العلم بالقرآن والسنة: بمعرفة ما قد يعرض النص فيهما من نسخ أو تقييد أو تخصيص أو نص راجح...، وتختص السنة بمعرفة الرواية وتمييز الصحيح فيها من الضعيف والمقبول عن المردود.
ج - العلم بمواضع الإجماع ومواضع الخلاف.
د - العلم بالقياس:
بمعرفة حقيقة القياس وقوانينه وشروطه، ومعرفة المناهج التي سلكها السلف الصالح من الأئمة في تعريف علل الأحكام، وتعرف علل الأحكام ثم القياس عليها، ومعرفة الأصول من النصوص التي يمكن أن تبنى عليها الأحكام.
ه - العلم بأصول الفقه.
ر - صحة الفهم وحسن التقدير.
ز - صحة النية وسلامة الإعتقاد.
ح - اجتناب المعاصي القادحة في العدالة عند البعض
[38]، والحق أن العدالة شرط لقبول الفتوى لا شرط صحة الإجتهاد.
هذا الحصر لشروط الإجتهاد ليس حقيقيا وإنما يخص المجتهد – المستنبط – المطلق الذي يفتي في جميع الشرع، أما باعتبار الإجتهاد يتجزأ فلا يلزم المجتهد في بعض الأحكام دون بعض معرفة كل هذه العلوم[39]، كالمجتهد في المصالح يلزمه العلم بالمقاصد لا العلم بالعربية، والمجتهد المستنبط من النصوص يلزمه العلم بالعربية فقط ، والمجتهد في تحقيق المناط لا يلزمه العلم بالمقاصد ولا العلم بالعربية، وإنما يلزمه العلم بموضوع الحكم على ما هو عليه، كعلم النفس و الاجتماع والإحصاء والإقتصاد وغيرها، مما لا يعرف ذلك الموضوع إلا به من حيث قصد المعرفة به ليتنزل الحكم الشرعي على وفق ذلك المقتضى، والقاعدة هنا أن الحكم عن الشيء فرع على تصوره.

تم بحمد الله

 


[1] انظر التعريفات للجرجاني، والمستصفى للغزالي، والإحكام للآمدي، وأصول الفقه لأبي زهرة، وأصول الفقه لمحمد الخضري بك، ومعالم الشريعة الإسلامية لصبحي الصالح.
[2] انظر المستصفى للغزالي، وأصول الفقه لمحمد الخضري بك.
[3] أنظر مفردات ألفاظ غريب القرآن للراغب الأصفهاني.
[4] نظر النهاية في غريب الحديث لابن الآثير.
[5] انظر معالم الشريعة الإسلامية لصبحي الصالح.
[6] انظر الموافقات للشاطبي، والمستصفى للغزالي، وأصول الفقه لمحمد الخضري بك.
[7] انظر الموافقات للشاطبي، والإحكام للآمدي.
[8] انظ الإحكام للآمدي، والتعريفات للجرجاني.
[9] انظر المستصفى للغزالي، والإحكام للآمدي، وأصول الفقه لمحمد الخضري بك.
[10] أنظر أصول الفقه لمحمد أبي زهرة، وأصول الفقه الإسلامي لوهبة الزحيلي، وتاريخ التشريع الإسلامي لمحمد الخضري بك، ومعالم الشريعة الإسلامية لصبحي الصالح، والاجتهاد المقاصدي لنور الدين بن مختار.
[11] انظر الإحكام للآمدي.
[12] نفسه.
[13] نفسه.
[14] انظر المستصفى للغزالي.
[15] انظر الإحكام للآمدي.
[16] انظر التعريفات للجرجاني.
[17] أنظر الاجتهاد المقاصدي لنور الدين بن مختار.
[18] نفسه.
[19] أنظر تاريخ التشريع الإسلامي لمحمد الخضري بك.
[20] في بعض النسخ القائس.
[21] من الإشكالات الفقهية: تفسير الشافعي الاجتهاد بأنه القياس وعبارة الشافعي مشهورة وقد تناولها أصحابه الشافعية، والأصوليون، بالتخريج تارة، وبالنقد تارات. وموضع إشكال المتأخرين أن القياس إنما هو نوع واحد من أنواع الاجتهاد المتعددة، فبينه وبين الاجتهاد عموم وخصوص مطلق، فكل قياس اجتهاد، وليس كل اجتهاد قياسا. ولا يجوز أن يحاكم الشافعي في تسويته بين الاجتهاد والقياس إلى اصطلاح من بعده في تعريف الاجتهاد والقياس. لأن تفسير الشافعي سابق لاستقرار الاصطلاح في التفريق بين القياس والاجتهاد. فيجب مراعاة التطور الدلالي للمصطلحات الأصولية. ( منقول من الشبكة الفقهية بالتصرف )
[22] أنظر أصول الفقه الإسلامي، لأبي وهبة الزحيلي.
[23] أنظر الرسالة للشافعي.
[24] القسم أعم فيشمل النوع وهناك من سوى بينهما عند إطلاق اللفظ لغة .
[25] أنظر تاريخ التشريع الإسلامي، لمحمد الخضري بك.
[26] تخريج المناط هو تعرف الوصف الذي يصلح علة إذا لم يكن بيان للعلة من النصوص بالعبارة أو الإشارة أو الإيماء، ولم يكن إجماع على علة، وذلك أساس من أسس الإجتهاد بالقياس ( أنظر أصول الفقه لمحمد أبي زهرة ).
[27] تحقيق المناط هو النظر في معرفة وجوده في آحاد الصور التي ينطبق عليها وتدخل في عمومها بعد أن تكون العلة بنفسها قد عرفت بطرق المعرفة المختلفة ( أنظر أصول الفقه لأبي زهرة ).
[28] الإجتهاد لتحقيق المناط عند الأصوليين يراد به الإجتهاد لتنزيل علة الحكم .
[29] علة الحكم تسمى عند الأصوليين مناط.
[30] أنظر أصول الفقه، لمحمد الخضري بك.
[31] أنظر خلافة الإنسان، لعبد المجيد النجار.
[32] أنظر أصول الفقه الإسلامي لأبي وهبة الزحيلي ج.2، والقرآن الكريم بنيته التشريعية وخصائصه الحضارية لنفس المؤلف، المدخل لدراسة الشريعة الإسلامية ليوسف القرضاوي، السياسة الشرعية لنفس المؤلف، الإجتهاد المقاصدي حجيته ضوابطه مجالاته لنور الدين بن مختار الخادمي ج.2، خلافة الإنسان بين الوحي والعقل لعبد المجيد النجار.
[33] أنظر المستصفى للغزالي.
[34] أنظر الإحكام للآمدي.
[35] قارن بين المستصفى للغزالي والإحكام للآمدي
[36] الشيخ يوسف القرضاوي يسميه بأسماء تركناها لأن في النفس منها شيء، فيدعوها منطقة العفو والمعفو عنه في الشريعة مباح لا يبحث عن حكم الشرع فيه، وما لا نص فيه يبحث عن حكمه، ويؤكد ما قلنا تسميته لها بالمنطقة الحرة. ويسميها أيضا بمنطقة الفراغ مما يشعر بالنقص في الشريعة والله سبحانه وتعالى يقول: ( الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ ). فلهذا عدلنا عن اطلاقات القرضاوي على ما لا نص فيه، بل حتى هذا الاطلاق في نظري يجب أن يقيد بقولهم: ما لا نص صريح فيه، إذ يجتهد فيه في استنباط الحكم من مجموع نصوص مؤسسة لمقاصد الشريعة.
[37] أنظر الموافقات للشاطبي تحـ عبد الله دراز ج.4، والمستصفى للغزالي، وأصول الفقه للخضري بك، وأصول الفقه لابي زهرة، واصول الفقه الإسلامي للزحيلي ج.2، ومقاصد الشريعة الإسلامية للطاهر بن عاشور، ومعالم الشريعة الإسلامية لصبحي الصالح.
[38] أنظر المستصفى للغزالي وقارن بأصول الفقه للخضري بك.
[39] أنظر الموافقات للشاطبي تحـ - عبد الله دراز- ج:4. وقارن بالمستصفى للغزالي.

المراهقة

المراهقة ومعناها التدرج نحو النضج البدني والجنسي والعقلي والانفعالي، وهي الفترة العمرية المُمتدة من سن15 إلى 21 ، وهي فترة متقلبة وصعبة تمر على الإنسان، وتكون بمثابة الاختبار الأول له في حياته الممتدة. حيث أن مستقبل الإنسان وحضارة الأمم تتأثر كثيرًا بمراهقة أفرادها.

معنى المراهقة:

المراهقة في اللغة العربية ترجع إلى الفعل العربي (راهق) الذي يعني الاقتراب من الشيء، فراهق الغلام، فهو مراهق؛ أي قارب الاحتلام، وهذا يشير إلى الاقتراب من النضج والرشد.

أما في علم النفس فهي تشير إلى اقتراب الفرد من النضوج الجسماني والعقلي والاجتماعي والنفسي.

ويطلق مصطلح المراهقة على المرحلة التي تبتدئ بالبلوغ، وتنتهي بالرشد، أي إنها مرحلة انتقال بين الطفولة والرشد. وتتضمن هذه المرحلة إعادة تنظيم القوى النفسية والعقلية؛ لتمتلك كفاية أفضل لمواجهة حياة الرشد.

وتجدر الإشارة هنا إلى أن مرحلة المراهقة لا تعد مرحلة نضوج تام، بل هي مجرد مرحلة تؤدي تبعاتها وأحداثها إلى النضوج.

الفرق بين المراهقة والبلوغ:

ولابد من التفريق بين البلوغ والمراهقة، فالبلوغ هو تغير جسدي يدل على أن الفرد أصبح قادرًا على النسل، حيث إن البلوغ هو نضوج الغدد التناسلية واكتساب معالم جنسية جديدة تنتقل بالطفل من فترة الطفولة إلى الشباب بمعنى آخر البلوغ هو مرحلة فرعية ضمن مراحل المراهقة، وعادة يكون أولى العلامات الدالة على بداية فترة المراهقة. في حين أن المراهقة أوسع من ذلك؛ فهي تغيرات جسدية وعقلية وعاطفية واجتماعية تشكل نسيج متشابك وبنية متفاعلة العناصر، ويتفاعل فيها الجانب العضوي مع الجانب النفسي والاجتماعي وفق ثقافة المجتمع السائدة.

 هناك من يعتبر أنهما مترادفان؛ فالبلوغ يعني المراهقة، وهناك من يعتبر أن البلوغ هو العلامة المتميزة كبداية مرحلة المراهقة، ومنهم من يعتبر أن المراهقة أعم، فالبلوغ يختص بالنمو الجنسي أو النمو العضوي والجنسي، والمراهقة تشمل ما سوى ذلك.

مراحل المراهقة:

قام علماء علم النفس بتقسيم مرحلة المراهقة إلى ثلاثة أقسام، وذلك بسبب اختلاف فترة مرحلة المراهقة بين مجتمع وآخر. وهي:

مرحلة المراهقة الأولى من الفترة 11-14 عاماً، وتتصف بتغيرات بيولوجية سريعة.

مرحلة المراهقة الوسطى من الفترة 14-18 عاماً، وهنا تكتمل التغيرات البيولوجية.

مرحلة المراهقة المتأخرة من الفترة 18-21 عاماً، وفي تلك المرحلة يتحول الفرد إلى إنسان راشد مظهراً وتصرفاً.

تمتد فترة المراهقة عمومًا بين سن (12ـ 18)؛ إذ تطول هذه الفترة وتقصر باختلاف الأجناس والمجتمعات والمناخات والثقافات التي يعيش فيها المراهق، وتبدأ مراهقة البنت عادة قبل مراهقة الصبي، وهذا يعني أنه لا يمكن الحديث عن المراهق إلا بصورة عامة، أو عن طريق مراهق مرتبط بمجتمع محدد بثقافة سائدة. كما أن فترة المراهقة ليست مستقلة عن الماضي والمستقبل، فهي متداخلة مع ما قبلها وما بعدها، وهذا يعني أن خصائص مرحلة المراهقة ومشكلاتها ترتبط بخبرات الطفولة وبالنمو الحالي والمستقبلي.

تعد فترة المراهقة مرحلة انبثاق النمو الجسمي والوجداني والنضج الاجتماعي والانسلاخ عن الأطر والعلاقات الاجتماعية التي كانت سائدة في مرحلة الطفولة، وما التغيرات الجسمية والنفسية والاجتماعية التي تطرأ على المراهق إلا نتاج التفاعلات المختلفة التي يتعرض لها الفرد، وتستهدف تحقيق النضج والكمال في تكوين الشخصية؛ لأن المراهق لا يترك عالم الطفولة فجأة، ويصبح مراهقًا، ولكنه ينتقل انتقاًلا تدريجيًا نحو النضج.

علامة دخول مراحل المراهقة:

ـ النمو الجسمي/ الجسدي: تظهر قفزة سريعة في زيادة الطول والوزن، مع ملاحظة الاختلاف بين الذكور والإناث، إذ يتسع المنكبان/ الكتفان، وتنمو العضلات، ويخشن الصوت عند الذكور، في حين يتسع الوركان، ويبرز الصدر عند الإناث، كما يظهر الشعر ـ عند الجنسين ـ تحت الإبطين وفي منطقة الأعضاء التناسلية، وينتشر حب الشباب على الوجه. وعندما يطمئن المراهق إلى سلامة تكوينه الجسمي ينقلب طاووسًا يقف أمام المرآة معتزًا بجسمه وشعره وعضلاته وثيابه بالنسبة للذكور، وتميل الإناث إلى الثياب التي تبرز مفاتن جسدها.

ـ النضج الجنسي: تنضج الغدد الجنسية، وتبدأ في تأدية وظائفها، وتنمو أعضاء الجهاز التناسلي. ويتضح هذا النضوج في الإناث، بدم الحيض وبظهور العادة الشهرية ولا يشترط هنا ظهور الخصائص الجنسية الثانية مثل كبر حجم الثدي وغيرها عند الإناث، أما في الذكور فتبدأ بزيادة حجم الخصية وبدء نمو شعر العانة وإنتاج النطاف ضمن السائل المنوي والاحتلام عند الذكور.

ـ التغيرات النفسية: تترك التغيرات الجسمية والجنسية آثارًا واضحة على نفسية المراهق، إذ تسبب التغيرات الهرمونية والجسدية للفرد المراهق بعض الاضطرابات، فيبدو قلقًا، وتزداد حساسيته حيال ما على جسمه وصوته وصورته، كما يثور، ويغضب لأتفه الأسباب، ويتعرض لحالات من اليأس والحزن والتشاؤم نتيجة ما يلاقيه من إحباط بسبب التعارض بين رغباته وتقاليد المجتمع. حيث أن أول قذف منوي للذكر يرافقه بعض المشاعر السلبية والايجابية. وفي الإناث أيضاً حيث يسبب الحيض لهم بعض الانزعاج والخوف.

خصائص المراهقة:

خصائص المراهقة كثيرة؛ أبرزها:

ـ النمو العقلي: تنمو الوظائف العقلية نموًا واضحًا من انتباه وتذكر وتفكير وخيال... وقد ينزع المراهق إلى الهرب من واقعه ناسجًا عالمًا من الأخيلة والصور التي تحقق دوافعه، وتنفس عن انفعالاته. كما تظهر عنده القدرة على البحث والنقد والتعليل.

ـ التفكير المثالي: لا يخلو تفكير المراهق من منحى فلسفي مثالي يتجاوز فيه الواقع اليومي والحسي إلى المفاهيم العقلية المجردة والمثل العليا، فيفكر بالخير والشر والعدالة وبالوجود وأسراره، كما يفكر بالنفس وطبيعتها، وقد يعد نفسه مصلحًا اجتماعيًا.

ـ التغيرات الاجتماعية: إن فترة المراهقة فترة تغير فجائي في الجماعة التي ينتمي إليها المراهق، إذ إنه لم يعد طفًلا، ولا يريد أنُ  يعامل على أنه طفل، إنه يسعى إلى الاستقلالية واتخاذ القرارات، ويلجأ إلى عالم الأقران؛ لتتوطد العلاقة معهم. كما تتصف هذه المرحلة بتبلور الوعي الاجتماعي، وتصبح القيم إحدى محركات السلوك، لذلك فإن انتماء المراهق للجماعة يقوم على مدى ما تتميز به هذه الجماعة من قيم وأهداف يوافق عليها؛ لهذا يميل إلى الانتماء إلى التنظيمات الشبابية والسياسية، ويهتم بالمشكلات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية المحيطة. كما يتمنى أن يعاد تشكيل العالم وسيادة العدالة والقانون ومحو الظلم والتخلص من حالات التجاوز في البيت والمدرسة والمجتمع.

ـ التفكير بالمستقبل: يفكر المراهق بالمهنة والاستعداد لها، ويحلم بالمستقبل، ويتحدث عن الحب والتفكير بالجنس الآخر والاهتمام به والرغبة في الزواج.

أهم التحديات والمشاكل التي يمر بها المراهق:

- العصبية وحدة التعامل: يتوتر المراهق، ويزداد عناده وعصبيته أملاً منه في أن يحقق مطالبه، غير مكترث بمشاعر الآخرين أو طريقة تحقيق مطالبه.

- التمرد وفردية الرأي: حيث يشكو أغلب المراهقين من عدم فهم الأهل لهم، وعدم إيمانه بحق في الحياة المستقلة. لذا، يلجأ المراهق إلى التحرر من مواقف ورغبات والديه في عمليه لتأكيد نفسه وآرائه وفكره للناس. ولأن أغلب المراهقين يؤمنون بتخلف أي سلطة فوقية أو أعلى منه، فيلجاً المراهق لكسر تلك القوانين والسلطات، وبذلك تتكون لديه حالة من التمرد على كل ماهو أعلى أو أكبر.

- الصراع الداخلي: يتزايد الصراع الداخلي لدى المراهق مع دخوله وتوغله في تلك المرحلة. وتحدث تلك الصراعات بسبب الاختلاف بين حقيقة الأمور والتفكير الحالي له.

- المشاكل الجنسية والعادة السرية : حيث يعاني المراهق ازدياد شهوته الجنسية ومشاهدة الأفلام الإباحية وممارسة العادة السرية في بعض الأحيان، الأمر الذي قد يتعارض مع العديد من التقاليد الاجتماعية والقيم الدينية للمراهق، والتي في الأغلب تنظر إلى الأمور الجنسية بتحفظ شديد لدى المراهقين.

ينظر بعضهم إلى فترة المراهقة بأنها واحدة من أكثر مراحل الحياة صعوبة وتأزمًا، وهي كالعاصفة العاتية التي تهز المراهق هزًا عنيفًا، ويعيش في أثنائها حالة من القلق والاضطراب والاكتئاب والحيرة، كما يتعرض بعض المراهقين إلى صدمات نفسية وأخلاقية وصراعات ومشكلات متنوعة، ويتسببون في إحراجات عديدة لأسرهم ومدارسهم.

تظهر في مرحلة المراهقة بعض المشكلات التي تؤثر في عملية توافق المراهق مع نفسه وتكيفه مع بيئته، وأبرزها:

قلق انفعالي يكون مصحوبًا بالحساسية الشديدة والشك فيمن يتعامل معهم الصراع بين عجز المراهق المالي في تحقيق رغباته والاستقلال عن الأسرة وبين حاجته لمساعدة الأهل.

الصراع بين مخّلفات الطفولة ومتطلبات الشباب:

سوء التكيف نتيجة التغيرات السريعة التي تطرأ على مجالات النمو المختلفة للمراهق.

القيود الاجتماعية التي تفرضها بيئة المراهق وتحول بينه وبين تطلعه إلى الحرية والاستقلالية؛ ولذلك يعد كل نصيحة أو توجيه اعتراضًا لحريته واستقلاليته.

عدم فهم الأهل لطبيعة المراهق وكيفية التعامل معه، وهذا يؤدي إلى خلخلة التوازن النفسي للمراهق، وقد ينطوي على ذاته ويميل إلى الخجل وأحلام اليقظة.

الحكم على قيم المراهق وتصرفاته بمعايير الكبار وآرائهم وتقاليدهم دون الاهتمام بطبيعة هذه المرحلة العمرية ومتطلباتها والعصر الذي هي فيه.

عدم قدرة المراهق على التعامل مع البيئة التي يعيش فيها، إذا كانت بيئة الأسرة والمدرسة والمجتمع لا تأبه له، ولا تعترف بنضجه وشخصيته المستقلة. ويفسر مساعدة أهله له على أنها تدخل في أموره والتقليل من شأنه؛ ولهذا يعترض على هذا التدخل بأشكال العناد والسلبية وعدم الاستقرار والاضطراب الانفعالي.

مشكلة الفراغ ولاسيما عندما لا يكون للمراهق أهداف حقيقية تستحوذ على اهتمامه.

أزمة الهوية التي تنشأ من عدم قدرة المراهق على فهم ذاته الجديدة وتقبلها والتعامل معها.

الاغتراب النفسي، حيث يشعر المراهق بالانفصال النسبي عن ذاته أو مجتمعه أو كليهما.

 إن المراهق ليس مشكًلا، وإنما يعيش ـ في غالب الأحيان ـ في بيئة مشكلة، فمشكلات المراهق ليست سوى أزمة نفسية من خصائص مرحلة عمرية معينة يتم تجاوزها بمجرد تخطيها، ويمر فيها جميع البشر، وهذه الأزمة ليست استجابة لتغييرات داخل الفرد نفسه فقط؛ وإنما هي نتيجة لاستجابة المجتمع الذي يعيش فيه أيضًا.

 ولهذا فإن المرحلة طبيعية في حياة الإنسان ولا تتطّلب بالضرورة مظاهر التوتر ولهذا فإن المراهقة مرحلة طبيعية في حياة الإنسان ولا تتطّلب بالضرورة مظاهر التوتر أو الانحراف إذا استطاع المربون ولاسيما الأهل التعامل مع المراهق بموضوعية وفي جو آمن ينال فيه الحب والفهم والاحترام وإثبات الذات.

هناك قاعدة تربوية عظيمة في مرحلة المراهقة في كلمات قصيره عن تربية الأبناء والبنات في مرحلة المراهقة تُعتبر جامعه وشامله ومُختصرة يقول أحد السلف: لاعبوا أبناءكم سبعاً ، وعلّموهم سبعاً ، وصاحبوهم سبعاً.

 

المراجع:

- موقع الموسوعة العربية.

- موقع ويكيبيديا الموسوعة العربية الحرة.

 

تم اعداد هذه الورقات للمشاركة في يوم دراسي بعنوان مهارات تنشيط الفصل الدراسي واستيعاب المراهق (ة). مساء يوم السبت 30 أبريل 2016.

بقلم: امصنصف كريم.

- مكون في الصحة النفسية للطفل والمراهق في منصة ادراك سنة 2016.

- مكون في أسس التربية السليمة للطفل والمراهق في منصة ادراك سنة 2016.

النهي عن الغش في الإمتحانات

 
بسم الله الرحمن الرحيم

والحمد لله رب العالمين،
والصلاة والسلام على
 
سيدنا محمد وآله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم
 
الدين.
 

أما بعد، أعزائي طلاب العلم، وهو مقام تكليف وتشريف, فأما قولنا مقام تكليف فلقوله عز وجل: { وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلَا نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَائِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ } (سورة التوبة-122). فبالعلم يعرف الله وبالعلم يعبد الله وأما قولنا مقام تشريف فلحديث صَفْوَانَ بْنَ عَسَّالٍ الْمُرَادِيَّ، قَالَ: فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ:« مَا مِنْ خَارِجٍ يَخْرُجُ مِنْ بَيْتِهِ يَطْلُبُ الْعِلْمَ إِلا وَضَعَتْ لَهُ الْمَلائِكَةُ أَجْنِحَتَهَا، رِضًا بِمَا يَصْنَعُ ».فهذا الحديث يحث على الرحلة في طلب العلم تقربا إلى الله عز وجل، وذلك لا يكون بالحرام والخبيث قال عز وجل: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنفِقُوا مِن طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُم مِّنَ الْأَرْضِ وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنفِقُونَ وَلَسْتُم بِآخِذِيهِ إِلَّا أَن تُغْمِضُوا فِيهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّـهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُم بِالْفَحْشَاءِ وَاللَّـهُ يَعِدُكُم مَّغْفِرَةً مِّنْهُ وَفَضْلًا وَاللَّـهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَن يَشَاءُ وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ } (سورة البقرة- الآيات: 267-269). أي: لا تعدلوا عن الحلال، وتقصدوا إلى الحرام، فتجعلوا نفقتكم منه فإن الله طيب لا يقبل إلا طيبا، فالعبرة هنا بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، ونذكر هاهنا الحديث الذي رواه أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: « مَنْ غَشَّ، فَلَيْسَ مِنَّا »، رواه المنذري في الترغيب. والمقصود من الحديث ذم الغاش، وأنه ليس على سنن وطريقة وصفات المسلمين، والتي منها: الأمانة والصدق مع الآخرين، وعدم غشهم. وأما أسباب الغش في الإمتحان فإثنان لا ثالث لهما: الأول انعدام الثقة بالنفس، بحيث نجد الطالب لديه الإجابة لكنه يستعمل وسائل الغش ليتيقن من الجواب، وهذا نوع من الغش. وأما السبب الثاني فهو التقاعس والتهاون والتكاسل عن المذاكرة والمراجعة إلى درجة اللامبالاة منتظرا عون المدرس في اجتياز الإمتحان بسلام. ونذكر في هذا المقام أنه من حق الطالب شرعا بعد أن يطلب عون الله، أن يطلب عون الأستاذ في الحصول على درجة عالية في الإمتحان -الأصغر-، لكن عليه أن يجتهد ويبدل وسعه أولا اقتداء بالسلف الصالح، فعَنْ رَبِيعَةَ بْنِ كَعْبٍ الْأَسْلَمِيِّ رضي الله عنه قَالَ: « كُنْتُ أَبِيتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَأَتَيْتُهُ بِوَضُوئِهِ وَحَاجَتِهِ فَقَالَ لِي:سَلْ فَقُلْتُ: أَسْأَلُكَ مُرَافَقَتَكَ فِي الْجَنَّةِ، قَالَ: أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ؟ قُلْتُ: هُوَ ذَاكَ، قَالَ: فَأَعِنِّي عَلَى نَفْسِكَ بِكَثْرَةِ السُّجُودِ»، رواه مسلم وأبو داود والنسائي. وأما أنا فالحق أقول أعن المعلم على نفسك بكثرة المذاكرة والمراجعة لدروسك. ونختم بقوله عز وجل:{ وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَ تَنفَعُ الْمُؤْمِنِينَ } (سورة الذاريات- 55)، وقال تعالى: { فَذَكِّرْ إِن نَّفَعَتِ الذِّكْرَ سَيَذَّكَّرُ مَن يَخْشَى وَيَتَجَنَّبُهَا الْأَشْقَى } سورة الأعلى- الآيات: 9-11). فالحق أقول لكم من نقل انتقل إلى جوار ربه فعذب بذنبه. واستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين أجمعين آمين.

عرض في قراءة الكتب

﴿ بِسْمِ اللَّـهِ الرَّحْمَـٰنِ الرَّحِيمِ اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ {1} خَلَقَ الْإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ {2} اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ {3} الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ {4} عَلَّمَ الْإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ {5} كَلَّا إِنَّ الْإِنسَانَ لَيَطْغَىٰ {6} ﴾ (سورة العلق). إقرا هي أول ما نزل من القرآن على سيدنا محمد ﷺ ، وهي السورة الوحيدة فيه التي ترد فيها كلمة إقرأ بهذا المعنى وهو الدعوة إلى المعرفة ( وهي دعوة موجهة إلى جميع بني الإنسان بدليل اقتران القراءة بالقلم )، والقراءة بهذا المعنى كشف مستمر. وهذه آية تشحذ طموح الإنسان وتفتح أمامه آفاق في القراءة من المهد إلى اللحد.

إن القلم والكتابة أعظم ابداع للإنسان في رحلة المعرفة، فبالقلم أقسم رب العالمين ﴿ بسم الله الرحمن الرحيم ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُون ﴾ ( سورة القلم - الآية1 ). فالله مقسم بما هو ذو فائدة وخير لمخلوقاته. ولا بدى للقارئ من أن يتمسك بأداة المعرفة الأولى في جميع مراحل المعرفة وهي اسم الله عز وجل لقوله ﴿ اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ ﴾، وهذا لا يعني البسملة بقدر ما يعني المنطلق الإيماني، فهي المقدمة الكبرى الصحيحة والضرورية للوصول إلى النتائج السليمة، أما المقدمة الثانية والضرورية للإرتقاء المعرفي فهي القلم، وتلك ابداع بشري ومنحة إلهية، ومادامت المعرفة لا تنتهي إلا بموت الإنسان فالبحث عنها مستمر، والقراءة مستمرة.

إن ساعة واحدة تقضيها بين الكتب كفيلة بأن تبدد ما يخالجك من هم، وتسبح بك مع الكاتب في عوالمه الواسعة، فتشعر عند المطالعة ببهجة كنت لا تدرك حقيقتها، إذ تنفتح أمامك آفاق جديدة، حتى ليخيل إليك أن حياتك تتسع وتمتد .

وفي هذا المعنى قال الشاعر أبو الحسن) ت  392ه :(

ما تطعمت لذة العيش حتى         صرت للبيت والكتاب جليسا

ليس عندي شيء الذ من ال         علم  فما  ابتغي  سواه أنيسا

 

وقيل لبعض الحكماء: « ما بلغ من سرورك بكتبك ؟ فقال هي إن خلوت لذتي. وإن اهتممت سلوتي. وإن قلت: إن زهر البستان ونور الجنان يجلوان الأبصار ويمتعان بحسنهما الألحاظ. فإن بستان الكتب يجلو العقل ويشحذ الذهن ويحيى القلب. ويقوي القريحة ويعين الطبيعة ويبعث نتائج العقول. ويستثير دفائن القلوب ويمتعد في الخلوة ويؤنس في الوحشة ويضحك بنوادره ويسر بغرائبه ويفيد ولا يستفيد ويعطي ولا يؤخذ وتصل لذته إلى القلب من غير سامة تدرك ولا مشقة تعرض لك » .

ومما ينصح العلماء به طالب العلم أن يأخذ من وقته سويعات يجم بها نفسه في رياض العلوم من بطون الكتب عملا بالقول المأثور عن أمير المؤمنين علي ابن أبي طالب رضي الله عنه قال»: أجموا هذه القلوب. وابتغوا لها طرائف الحكمة فإنها تمل كما تمل الأبدان[1]« . وقال الشاعر :

 

 نعم المؤنس والجليس كتاب         تخلو به إن ملك الأصحاب

لا  مفشيا  سرا  ولا  متكبرا       وتفاد  منه  حكمة  وصواب

 

رحم الله السلف الصالح رضي الله عنهم إذ كانوا على دراية تامة بأهمية القراءة والمطالعة في اثراء كل صنوف المعرفة فجمعوا بين متعة المطالعة. ومطالعة المتعة. فالقراءة جولات ممتعة في دهاليز العقل البشري. قال الخطيب »:من صنف فقد جعل عقله على طبق يعرضه على الناس.[2]«

  وأي متعة تلك حيث تتلاشى حدود الزمان والمكان وآداب الإستئذان، بتجوالك عبر العصور والأمصار، والاتصال بالمصنف الذي يقبل عليك غير مدبر عنك ساعت شئت بكل وجدانه وفكره موثقا صلته بك، وحسبك ما في ذلك من صلة للرحم وما ينجم عنها من فوائد لقوله سبحانه وتعالى ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ﴾ (سورة :الحجرات -الآية 13).

 

وما أشبه هذا بالرحلة في طلب العلم عموما وطلب الحديث خصوصا، فالمحدثون اعتبروا الوجادة صورة من صور تحمل الحديث ꞌꞌ والوجادة هي أخذ العلم من صحيفة من غير سماع ولا إجازة ولا مناولة ... فلولا الوجادة لا نسد باب العمل بالمنقولꞌꞌ.[3]

وقديما قيل): كل علم ليس في القرطاس ضاع ). وقال الإمام أبو الفرج عبد الرحمان بن الجوزي ( توفي سنة597 ه ) فيما يشبه ذلك: « رأيت من الرأي القويم أن نفع التصانيف أكثر من نفع التعليم بالمشافهة; لأني  أشافه عمري عدد من المتعلمين، وأشافه بتصنيفي خلقا لا تحصى ما خلقوا بعد« ...[4].

ولعل فيما قيل ما يلقي بعض الضوء على الحكمة من فعل الرسول ﷺ الآتي: روى الإمام أحمد: حدثنا علي بن عاصم قال :قال داود: حدثنا عكرمة عن ابن عباس قال: « كان ناس من الأسرى يوم بدر لم يكن لهم فداء فجعل رسول الله ﷺ فداءهم أن يعلموا أولاد الأنصار الكتابة  .«[5]

فبالكتابة وثق إرث اللاحقين من علم السابقين، إذ الموت طارئ والنسيان عارض والكتابة أمان والكتاب إمام لتابعين بإحسان .

ولهذا تشدد الفقهاء في حكم غلول الكتب. فعن يونس بن يزيد قال»: قال لي الزهري يا يونس إياك وغلول الكتب. قال: قلت وما غلول الكتب ؟.. قال: حبسها على أصحابها.«[6] وقال مجاهد رضي الله عنه: « سرقة صحف العلم مثل سرقة الدنانير والدراهم ». وقال أبو بكر الخطيب: « ولأجل حبس الكتب امتنع غير واحد من اعارتها واستحسن آخرون أخذ الرهن عليها من الأصدقاء ثم قال : أنشدنا محمد ابن خلف :

 أعر الدفتر للصاحب      بـــــالـــــــرهن الـــــــوثيق

إنه    ليس    قبيحا      أخذ الرهن من الصديق »

 

ولشرف الكتاب وفضله كان السلف من العلماء يعلم طلابهم حسن الآداب مع الكتاب إذ يقول الشيخ لتلميذه: « إذا تصفحت الكتاب تصفحه برفق لئلا يتمزق »، وأيضا « احذر أن تكتب على كتابك على هامشه أو بين سطوره مما يطمس الأصل ».

ومطالعة الكتب مما ينبغي لطالب العلم أن يهتم به، ولكن كيف ينبغي أن تكون المطالعة؟ وأية شروط يجب أن تتوافر فيها؟

أولا إليك كيف تختار كتابا للمطالعة :

1 - لابد من توجيه ومساعدة على اختيار الأنسب والأنفع لك، فلا تقرء كل ما تطبعه المطابع دون تمييز، لأن قراءة ما هو نافع فضلا عما لا نفع فيه أو فيه ضرر سيفوت عليك قراءة ما هو أنفع لك .

وأنصحك بالرجوع إلى أساتذتك لأن الكتب لا تخلوا من علل منها التصحيف العارض لسقم الطبعة ( أخطاء مطبعية)، ورداءة النقول ( العزوا إلى المصادر والمراجع)، ومذهب صاحب الكتاب ( معتقده وفكره ).  

ولما ذكرت ولم أذكر كان لابد من متابع ( دليل ) يأخذ بيدك، ويبصرك بمداخل الكتاب، لتنأى عن شبهة تصحيف أو تحريف ( للنقول ) فضلا عن التأويلات الباطلة، والأراء الشاذة المنكرة .

ولهذا قديما كان الطالب يقرء الكتاب المختار على شيخه، ويكفيك اليوم قراءة الكتب المحققة لا سيما لأئمة المحققين.

2 - واحرص على الكتب الأمهات الأصول دون المؤلفات الحديثة، والمقصود أن كتب السلف الصالح خدمت ودرست وما اندرست، فكتب عليها الحواشي والتعليقات، كما لخصت وشرحت وشرحت منذ القديم وإلى اليوم دراسة وتحقيقا، فعلمنا بذلك ما فيها من خير وما بها من شر، وقد قيل: ꞌꞌ من فاته الأصول حرم الوصولꞌꞌ .

3مطالعة الكتب مع الإنتقاء، عليك البدء بالأهم فالمهم. إذ قال بعض الحكماء: » إن العلم كثير والعمر قصير فخذ من العلم ما ينفعك ودع ما سواه ».

فينبغي أن تعرف موضوع الكتاب حتى تحصل الإستفادة منه، وهذا يكون بقراءة عنوانه أولا ثم فهرسته ثانيا، لأن العنوان قد يكون مبهما أو يوهم شموله للموضوع، وبالمثال يتضح المقال :فكتاب البداية والنهاية لابن كثير عنوانه مبهم لكن نظرة سريعة على الفهرس تبين أنه كتاب تاريخ. وكتاب التبيان في علوم القرآن لصابوني عنوانه يوحي بشموله واستيعابه لجميع مباحث علوم القرآن، لكن جرد سريع لمحتويات الفهرس تدلنا على أنه يتطرق للجانب التاريخي لعلوم القرآن فقط .

فإذا حصل و وافق موضوع الكتاب حاجتك كان أخف على قلبك. فيكون بذلك نفاذك فيه على قدر حاجتك منه، وكذا سهولته عليك.

4 - لاتبدأ بمطالعة المطولات ( أي الكتب الضخمة في مجلدات أو أجزاء )، إذا كنت مبتدئ فإن جرد المطولات لك هلكة، كرجل لا يحسن السباحة يرمي نفسه في البحر .

 ثانيا : كيف تقرء الكتاب المختار :

1 - لن تستفيد من الكتاب حتى تعرف اصطلاح مؤلفه فيه، وكثيرا ما تكون المقدمة كاشفة عن ذلك، فإبدأ من الكتاب بقراءة مقدمته، فمثلا قد تقرأ في كتاب:« هذا ما اتفق عليه الشيخان « فتظن أنهما شيخان الحديث البخاري ومسلم. لكن إذا قرأت المقدمة تجد المؤلف ينص على أن مراده بالشيخان هما شيخان التاريخ أبو بكر وعمر رضي الله عنهما.

2 - الكتاب خير جليس، وأفضل أنيس، فلا تقرأ قراءة الغافل، فعليك عند مطالعة الكتاب تتبع آثره خطوة خطوة، حتى لا يفوتك غرض ولا تغيب عنك فكرة.

إن قيمة مطالعتك للكتاب تتوقف على مبلغ إتقانك لقراءته، فقد تجد أنك عند قراءة الكتاب أول ماتجد أنك تمر بك العبارات تحتاج إلى تأمل وتفكير في معناها، فإذا كررت قراءة الكتاب فهمته، ولهذا فخير لك أن تقرأ مرات متعددة الكتاب حتى تفهمه وتتذوقه من أن تقرأ كتبا كثيرة قراءة سريعة لا تخرج منها بنتيجة. ولا تنسى ما قاله الشاعر :

إن لم تستطع شيئا فدعه        وجاوزه إلى ما تستطيع .

3 - والقراءة يجب أن يرافقنا القلم في كل حالتها، لندون به على دفتر خاص ما يساورنا من انطباعات وخواطر ونحن نقرأ، وما نعجب به من المقاطع التي تستحق أن ترسخ في الذاكرة .

لأن تقييد العلم بالكتابة أمان من الضياع، وقصر لمسافة البحث عند الإحتياج، لاسيما بدائع الفوائد في غير مظانها، ودررا منثورة تراها تخشى فواتها، مما لا تكاد تطرق على الذهن أو التي يندر ذكرها والتعرض لها أو التي تكون مستجدة تحتاج إلى بيان حكم فيها، هذه اقتناصها قيدها. لا تقل هذا أمر معلوم عندي – الآن - ولا حاجة إلى أن أسجلها فلن أنساها، فإن الحفظ يضعف والنسيان يعرض .

4 - كيف تقيد .. الأفضل في دفتر، لأن الأوراق تضيع، وإن اضطررت للتسجيل على ورقة مستقلة فسارع إلى نسخها على الدفتر عند الإمكان.

بادئ ذي بدء، أكتب عنوان الكتاب، واسم مؤلفه، ورقم طبعته، وسنتها، واسم دار النشر والطبع، واسم محققه، أو شارحه إن وجد.

ثم أنقل ماشئت وأكتب نقل لتميزه عن خواطرك، ثم إن نقلت حرفيا فذاك وإلا فأكتب بالتصرف.

وأخيرا سجل رقم المجلد أو الجزء إن وجد ثم رقم الصفحة.

وعند فراغك من المطالعة أكتب – على ورقة مستقلة وضعها في ثنايا الكتاب- بلغت الصفحة رقم كذا.. من الجزء رقم كذا، تأسيا بعمل السلف الصالح رضي الله عنهم وفائدة ذلك أنك قد تنسى - عند معاودتك للمطالعة لا سيما مع طول الزمن - فلا تدري أبلغت هذه الصفحة أم لا ؟  .. وربما يفوتك بعض الصفحات إذا ظننت أنه قد تقدمت في المطالعة.

 

[1] جامع بيان العلم وفضله، لابن رجب الحنبلي.

[2] الجامع لأخلاق الراوي، للخطيب البغدادي.

[3] علوم الحديث ومصطلحه، لصبحي الصالح. ص .101-103:

[4] صيد الخاطر، لابن الجوزي.

[5] البداية والنهاية، لابن كثير، ج 3  ص .266-267 :

[6] الجامع لأخلاق الراوي، للخطيب البغدادي، ج.1.

قراءة في كتاب المصطلحات الأربعة في القرآن لأبي الأعلى المودودي..

 

كتاب المصطلحات الأربعة في القرآن[1] رسالة ألفها العلامة أبو الأعلى المودودي ( ت 1399 هـ ) في الأربعينيات من القرن العشرين، وقد اقتصر فيها على دراسة أربعة مصطلحات وهي: الإله، والرب، والدين، والعبادة. وعلل اختياره لها بأنها « أساس المصطلح القرآني وقوامه والقطب الذي تدور حوله دعوة القرآن »[2]، وبأن دراستها هي الطريق الأسلم لدراسة القرآن وفهم معانيه، ويقول:« لا بد لمن أراد أن يدرس القرآن ويسبر غور معانيه أن يتفهم المعاني الصحيحة لكل من هذه الكلمات الأربع، ويتلقى مفهومها الشامل »[3]. ويستنتج من هذا التعليل أن الدارس ينطلق من رؤية محددة وهي المتمثلة في أمور ثلاثة: ( أولها ) وعيه بالنسق المفهومي القرآني، ومن ثم وجود مصطلحات قرآنية هي بمثابة الأس لغيرها. و ( الثاني ) ربطه دراسة المصطلح القرآني بمقاصد شرعية ودعوية. و ( الثالث ) اعتباره هذه المصطلحات مفتاحا للعلم بالقرآن الكريم وفهم معانيه، وهو ما يترجم وعيه بجدوى دراسة المصطلح.

أما عن المنهج الذي يتبعه في دراسة المصطلحات، فهو يقتصر على تتبع معانيها اللغوية في المعاجم، ثم يورد دلالتها من خلال بعض مواردها واستعمالاتها في القرآن الكريم، دون ان يرتكز إلى إحصاء أو استقراء شامل لكل تلك الموارد والنصوص، ودون أن يعرض تلك الدلالات في ترتيب منهجي معين[4].

 

[1] الدكتورة فريدة زمرد في دراستها ( مفهوم التأويل ) صنفته كدراسة حديثة تطبيقية في المصطلح القرآني عامة.

[2] انظر مقدمة كتاب المصطلحات الأربعة.

[3] نفسه.

[4] انظر كتاب مفهوم التأويل في القرآن الكريم والحديث الشريف، للأستاذة فريدة زمرد. ص 69 و 70.